أزمة حكم أم أزمة نظام؟! الخلاف بين الرئاستين يهدّد الاستقرار الداخلي والعلاقات الخارجية (اللواء ٤ تشرين الأول)

يشهد لبنان مرحلة حرجة في تاريخه السياسي الحديث، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع التحدّيات الإقليمية، ويبرز الخلاف المستمر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة كعامل رئيسي يعرقل مسار الإصلاحات والاستقرار.
هذا الخلاف ليس مجرد خلاف سياسي روتيني، بل يمتد ليشمل إدارة السياسات الاقتصادية، التحكّم بالمؤسسات الأمنية، والتفاعل مع المجتمع الدولي.
تؤكد تقارير صحفية ومراكز أبحاث استراتيجية، مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (ESRS)، أن المرحلة الحالية حاسمة لتقييم قدرة لبنان على تجاوز الانقسامات بين الرئاستين، وتنفيذ الإصلاحات الضرورية لضمان استقراره السياسي والاقتصادي، خصوصاً وأن الوضع السياسي في لبنان اليوم رهينة الانقسام بين الرئاستين، وأي تأخير في اتخاذ القرارات الحاسمة سيزيد من الانهيار الاقتصادي ويعرّض البلاد لمخاطر أمنية غير مسبوقة.
• جذور الخلاف بين الرئاستين
أزمة صخرة الروشة، ما هي إلّا «القشة» التي «قسمت ظهر البعير»، حيث أن الخلاف بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة أعمق وأشمل ويتمحور بشكل أساسي حول نقاط عدة:
– السيادة على القرار السياسي والأمني: تؤكد الرئاسة الأولى على ضرورة وجود دور رئاسي فاعل في القرارات السيادية، خصوصاً المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن القومي، بينما ترى رئاسة الحكومة أن مسؤولية إدارة الدولة اليومية والإصلاحات الاقتصادية تقع على عاتقها.
– إدارة المؤسسات الأمنية: يشكّل حصر السلاح بيد الدولة محوراً رئيسياً للخلاف. بينما يطالب الرئيس ميشال عون (كمثال) بفرض سيطرة رئاسية مباشرة على المؤسسة العسكرية لضمان تطبيق السياسات الأمنية، ترى الحكومة أن هذه القرارات يجب أن تُتخذ ضمن آليات وزارية وبرلمانية مشتركة.
– الإصلاحات الاقتصادية والمالية: على مستوى الاقتصاد، يعارض الرئيسان في كثير من الأحيان السياسات التي يجب تنفيذها وفق جدول زمني محدد. رئاسة الجمهورية ترى ضرورة حماية المكتسبات الاجتماعية وتجنّب أي إجراءات قد تؤدي إلى تدهور الوضع المعيشي، بينما تركّز الحكومة على ضرورة تنفيذ إصلاحات صارمة لاستعادة ثقة المجتمع الدولي والمستثمرين.
• الأبعاد السياسية للخلاف
تنعكس هذه الخلافات على الاستقرار السياسي للبنان بشكل مباشر. فشل التنسيق بين الرئاستين يؤدي إلى تعطيل جلسات الحكومة، وتأخير إقرار الموازنات، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية، إذ أن الانقسام بين الرئاستين يجعل كل الإصلاحات عرضة للتأجيل أو التعطيل، ويفتح الباب أمام تدخّل القوى الخارجية لتوجيه الأجندة السياسية اللبنانية.
يشير تقرير لمركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن «الانقسامات بين الرئاستين تؤثر على قدرة لبنان على التفاوض مع المجتمع الدولي، خصوصا في قضايا التمويل والمساعدات، مما يجعل البلاد أكثر هشاشة أمام الضغوط الإقليمية والدولية».
• الأبعاد الاقتصادية للخلاف
الخلاف بين الرئاستين له تأثير مباشر على الاقتصاد اللبناني، من خلال:
– تعطيل الإصلاحات المالية:
الحكومة بحاجة إلى تنفيذ إصلاحات مالية ضرورية لفتح قنوات التمويل الدولي، بينما غالباً ما تقف الرئاسة ضد بعض الإجراءات التي تراها مؤلمة للمواطنين على المدى القصير.
– تراجع الاستثمارات الأجنبية:
المستثمرون الدوليون يراقبون عن كثب قدرة الدولة على اتخاذ قرارات واضحة ومستقرة. أي خلاف بين الرئاستين يؤدي إلى تراجع الثقة، مما يقلل من فرص ضخ الاستثمارات الأجنبية.
– تفاقم الأزمات المعيشية:
ارتفاع معدلات البطالة والفقر وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين يرتبط بشكل مباشر بعدم اتخاذ قرارات اقتصادية فاعلة نتيجة الخلاف بين الرئاستين. وفق تقرير البنك الدولي لعام 2025، فإن أكثر من 60٪ من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، بينما ارتفعت البطالة إلى أكثر من 35٪.
• الخلاف والأمن والاستقرار الداخلي
إضافة إلى الأبعاد السياسية والاقتصادية، فإن الخلاف بين الرئاستين سيؤثر على الأمن والاستقرار الداخلي، لا سيما لجهة:
– تأخير حصر السلاح بيد الدولة: هذا التأخير يترك فراغاً أمنياً يستغلّه بعض الجماعات المسلحة، مما يزيد من احتمالية وقوع حوادث أمنية أو تصعيد عسكري إقليمي.
– إضعاف الجيش والمؤسسات الأمنية: الانقسامات تعيق اتخاذ قرارات استراتيجية حول التمويل، التدريب، والانتشار العسكري، وهو ما يقلل من قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرة الدولة على كامل الأراضي.
• العلاقات الإقليمية والدولية
الخلاف بين الرئاستين يضع لبنان في موقف ضعيف عند التفاوض مع الدول الإقليمية والدول الكبرى، ويجعل الدعم الدولي مشروطاً بالقدرة على توحيد الرؤى بين الرئاسة والحكومة.
وهذا ما ركّزت عليه مراكز أبحاث إستراتيجية، محذّرة من أن استمرار هذا الخلاف قد يكون له تأثيرات بعيدة المدى:
– مركز CSIS الأميركي: يشير إلى أن لبنان سيكون عرضة لضغوط إقليمية في حال عدم توحيد الرؤية بين الرئاستين، خصوصاً فيما يتعلق بالسيطرة على السلاح وملفات الحدود.
– مركز ESRS الإماراتي: يؤكد أن تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لن يكون ممكناً دون وجود تنسيق واضح بين الرئاستين، وإلّا فإن لبنان سيظل في عزلة سياسية واقتصادية.
– مركز كارنيغي للشرق الأوسط: يشدّد على أن قدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاستفادة من التمويل الدولي مرتبطة بشكل مباشر بإنهاء الانقسامات بين الرئاستين.
• حلول جذرية لا شكلية
إذا ما بلغته الأزمة بين الرئاستين، لم تعد تجدي الحلول الشكلية، بل المطلوب معالجة جذرية لمختلف النقاط الخلافية، وذلك إنقاذاً للعهد ولحكومته الأولى ولمصداقية الدولة، وقبل كل ذلك إنقاذاً للبنان المهشم. وهذا لن يتحقق إلّا من خلال:
1. إطلاق حوار رئاسي – حكومي عاجل وواضح: يجب أن يجمع الحوار الرئاستين لتحديد مهام كل منهما، ووضع جدول زمني للقرارات السيادية والإصلاحات الاقتصادية. هذا التوافق ضروري لإنهاء الجمود السياسي ومنع تعطيل الدولة.
2. توحيد الرؤية حول الإصلاحات الاقتصادية والمالية: من الضروري أن تتفق الرئاستان على خطة مالية واستثمارية مشتركة، تشمل إصلاحات هيكلية في المالية العامة والقطاع المصرفي، بما يضمن جذب الاستثمارات الدولية وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
3. تعزيز سيطرة الدولة على المؤسسات الأمنية: يجب الاتفاق على آليات واضحة لإدارة الجيش والأجهزة الأمنية، بما يضمن حصر السلاح بيد الدولة، والحفاظ على الأمن الداخلي، وحماية لبنان من أي تصعيد خارجي محتمل.
4. تنسيق القرارات الاستراتيجية بين الرئاستين: أي قرار يتعلق بالسياسة الخارجية أو الملفات الحساسة يجب أن يكون ناتجاً عن توافق بين الرئاستين لتجنّب الصراعات الداخلية التي تؤدي إلى عزلة لبنان دولياً وتقويض سيطرته على الملفات الحيوية.
لبنان اليوم يعيش أزمة مركبة، حيث لا تتعلق المخاطر الاقتصادية فقط بالسياسات المالية، ولا تتعلق التحدّيات الأمنية فقط بالميدان، بل يرتبط كل شيء بالخلاف المستمر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.
المرحلة الحالية تتطلب اتخاذ قرارات جريئة لإنهاء هذا الانقسام، وتحديد مسؤوليات واضحة، بما يسمح بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، الحفاظ على الاستقرار الأمني، واستعادة ثقة المجتمع الدولي. نجاح لبنان في تجاوز هذا الخلاف سيكون بمثابة فرصة لإعادة تأسيس الدولة، وإعادة لبنان إلى مكانته الطبيعية في المنطقة، بينما استمرار الانقسام قد يجر البلاد إلى أزمات أشد خطورة على جميع المستويات.
فهل يبقى لبنان أسير نزاعات الصلاحيات، أم أن القيادات ستدرك أن الاستمرار بهذا النهج يعني خسارة الدولة برمّتها؟



