أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

كيف يمكن للخصخصة أن تنقذ كرة القدم في لبنان؟ (الديار ٤ تشرين الثاني)

تعيش كرة القدم اللبنانية منذ سنوات أزمة بنيوية خانقة، تتجاوز حدود النتائج إلى عمق الهيكل الإداري والمالي للأندية والاتحاد.

فالملاعب متدهورة، التمويل شبه معدوم، واللاعبون يواجهون واقعًا صعبًا يجعلهم في كثير من الأحيان يختارون الهجرة أو الاعتزال المبكر. في ظلّ هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري هل يمكن للخصخصة أن تكون طوق النجاة للعبة الشعبية الأولى في لبنان؟

يعتمد أكثر من 80% من الأندية اللبنانية على دعم محدود من رجال أعمال أو بلديات محلية، ما يجعلها رهينة لتقلبات السياسة والاقتصاد. ومع الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019، تراجع التمويل بنسبة تفوق 60% بحسب تقديرات غير رسمية، فيما عجز عدد من الأندية عن دفع رواتب لاعبيها لأشهر طويلة.

هذا الواقع خلق فجوة بين الطموح المحلي والتطلعات القارية، حيث لم يتمكن أي نادٍ لبناني منذ عقدين من بلوغ مراحل متقدمة في بطولات آسيا.

الخصخصة في الرياضة ليست مجرد بيع الأندية، بل هي تحويلها إلى مؤسسات اقتصادية مستقلة تعمل وفق نموذج ربحي مستدام. ويشمل ذلك تأسيس شركات مساهمة تملك الأندية، تتيح للمستثمرين أو الجماهير شراء الأسهم، مع وجود إدارة احترافية منفصلة عن النفوذ السياسي.

في تجارب قريبة، مثل السعودية وقطر والإمارات، أثبتت الخصخصة أنها قادرة على تحويل الأندية إلى علامات تجارية تمتلك موارد ضخمة من الرعاية والبثّ والمبيعات، ما انعكس على مستوى المنافسة والنتائج.

لكن في لبنان، العقبة ليست اقتصادية فقط. فمعظم الأندية مرتبطة بالانتماءات الطائفية والمناطقية، وتُدار بعقلية الزعامة لا بعقلية المؤسسة. هذا التداخل بين الرياضة والسياسة يجعل عملية الخصخصة صعبة التنفيذ ما لم يتم إصلاح البنية القانونية للقطاع الرياضي.

كما أن القوانين اللبنانية الحالية لا تسمح بتحويل الأندية إلى شركات مساهمة رياضية بسهولة، إذ لا يوجد إطار قانوني واضح للملكية الرياضية كما هو الحال في أوروبا أو الخليج.

رغم العوائق، تمتلك كرة القدم اللبنانية عناصر جذب مهمة للمستثمرين: جمهور واسع يتجاوز مليون مشجع نشط على وسائل التواصل وقاعدة شبابية تشكّل أكثر من 60% من السكان تحت سن 35 عاماً وتاريخ كروي عريق مع أندية مثل النجمة والأنصار والعهد، تمتلك رمزية محلية قوية.

بوجود خصخصة منظمة، يمكن خلق سوق إعلاني جديد، وتنشيط السياحة الرياضية، ورفع جودة النقل التلفزيوني، ما يضاعف الموارد المالية ويعيد الثقة باللعبة.

الطريق إلى خصخصة ناجحة يمر عبر ثلاث خطوات أساسية: تعديل القوانين الرياضية بما يسمح بإنشاء شركات مساهمة رياضية. تحييد السياسة عن الرياضة عبر مجالس إدارة مستقلة وشفافة. جذب المستثمرين المحليين والمغتربين عبر حوافز ضريبية وضمانات قانونية.

كما يمكن للاتحاد اللبناني لكرة القدم أن يلعب دورًا قياديًا بإطلاق مشروع تجريبي لتحويل نادٍ أو اثنين إلى نموذج احترافي خاص، على غرار ما فعلته اتحادات عربية أخرى.

الخصخصة ليست حلاً سحريًا، لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ كرة القدم اللبنانية من واقعها المأزوم. فبين إدارة تقليدية فقدت ثقة الجماهير، وأجيال من المواهب تهاجر بلا عودة، يبقى الأمل في أن يتحول الحلم بالاحتراف من شعار إلى نظام عمل اقتصادي حديث، يضع الكرة اللبنانية على طريق الاستقرار والازدهار.

بواسطة
سامر الحلبي
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى