أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

استثمارات تقليدية تحمي (اللواء ١ تشرين الثاني)

في هذه الظروف الخطرة المتقلبة اقتصاديا، يسعى المواطن الى حماية استثماراته أي الى تخفيف الخسائر التي يمكن أن تقع.  لا يكفي أن نقول له أن عليه التنويع للحماية، بل يجب أن نوجهه نحو أفضل الطرق التي توصله الى هدفه.  انتقاء الأصول الاستثمارية المختلفة مهم جدا لكن هذا يتطلب اطلاعا عميقا على كل ما هو موجود منعا للابتزاز والسرقة.  لكن نظرا الى تكاثر الأصول الجديدة التي لم يطلع المواطن عليها، من الظلم الطلب منه الاستثمار مثلا في الأصول المشفرة والرقمية وغيرها.  علينا أن نوجهه نحو الأفضل المرتكز على عاملين هما العائد والمخاطر.  كلما انتظر عائدا أعلى، عليه أن يخاطر أكثر وهذا مفهوم بالاتجاهين.
لم يعد يكفي المواطن الاستثمار في العقارات المبنية وغير المبنية وفي الأصول والسندات العادية، بل يجب أن ينتقل الى أصول أخرى مهمة في قطاع الفنون مثلا من لوحات ونحت يتمتع الانسان بالنظر اليها لكنه يجهل أسعارها وبالتالي يمكن أن تحقق الحماية له.  يخاف المواطن من أن يسرق عندما يشتري سلعة فنية لأن لا أسواق شفافة سائلة لها، وبالتالي يمكن أن تعرض عليه بأسعار خيالية بعيدة عن أوضاع السوق.  حياة الفنانين مختلفة عن حياة المصرفيين والصناعيين والتجار كما عن جميع المتعاطين مباشرة بالشؤون المالية.  ما يميز الفنانين عن غيرهم هو أن ما ينتجون يتطور سعره بشكل كبير مع الوقت بسبب العرض المحدود.  المشكلة ان لا أسواق محددة تسمح بتقييم العمل الفني بدقة كما هو الحال مع المعادن والمواد الزراعية والنفط.  سعر السلعة الفنية مرتبط بعوامل نفسية أي في رغبة المواطن في شرائها في الزمان والمكان المناسبين.

عاش الرسام الكبير «فنسنت فان غوغ» فقيرا خلال حياته ولم يبع لوحاته.  لم يستطع اعاشة نفسه، واستعان بشقيقه الميسور والكريم لتمويل استهلاكه القليل.  أما اليوم فلوحة واحدة من أعماله تكفي لتمويل استهلاك مجموعة كبيرة من الناس.  هل كان ممكنا ل»فان غوغ» أن ينتج الابداع لو كان يعمل مثلا في ظروف اليوم حيث يتغلب الشعور المادي على حب المساعدة واعتماد الأخلاق والتصرفات الخيرة؟  هل كان ممكنا له أن يكون خلاقا بهذا المستوى لو لم يركز كليا على أعماله؟  هل كان ممكنا له أن يكون عبقريا لو لم تكن الحياة بسيطة ووسائل السهر وللهو محدودة؟  العبقرية والظروف تنتجان أفضل الممكن في كل الأوقات.
سعر أي تحفة فنية يرتكز على هوية الفنان، نوعية العمل نفسه وطرق البيع.  تتغير أسعار السلع الفنية عموما ببطء لكن من النادر أن تسقط مما يعني أنها استثمارات مفيدة ومرغوب بها شرط طبعا اختيار السلعة الجيدة والمناسبة.  في عالمنا اليوم هنالك 3 طرق لتقييم أي عمل فني، ولكل منها حدودها العملية والعلمية وهي:
أولا:  التفاوض المباشر بين البائع والشاري مما يؤدي الى تحديد السعر، وهذا ممكن أن يحصل عندما تكون العلاقات الثنائية قديمة وجيدة.  هذا يعتمد على الجهتين وكيف تنظران الى السلعة الفنية ومن الممكن أي يختلف السعر كثيرا بين الأشخاص.  للوصول الى سعر واحد يسمح بنقل الملكية، هنالك مفاوضات مباشرة تسمح بتحقيق ذلك ترتكز على كفاءتهما وعلى معرفتهما بدقة لخصائص التحفة المطلوب نقلها.  هذا جيد وممكن لكن المستثمر يقلق من هذه الطريقة غير المبنية على العلم بل على الرغبة الشخصية والنفسية في السلعة.  اذا أردت بيع لوحة فنية تملكها وهنالك شار محتمل، يجب أن تتفاوض معه للوصول الى سعر يرضي الفريقين لكن من الممكن أن لا يعبر عن الأهمية الحقيقية للسلعة.
ثانيا:  يمكن للراغب في شراء أو بيع تحفة فنية أن يذهب الى المزاد العلني وبالتالي تنتقل السلعة من فريق الى آخر دون التأكد طبعا من أن السعر يعبر فعلا عن القيمة الحقيقية للتحفة.  تستعمل هذه الطريقة في الأسواق الثانوية أي لنقل السلعة من مالك الى آخر.  هنالك مؤسستان عالميتان رئيسيتان تسيطران على طريقة البيع هذه وهما «كريستيز» و»سوثبيز».  يتم المزاد عموما في نيويورك في شهري أيار وتشرين الثاني.  نجاح هذه الوسيلة يرتكز على قوة المؤسستين المذكورتين وعلى تقنياتهما في فتح الأسواق وتكبيرها ليتحقق البيع.  هتان المؤسستان قويتان جدا ولا تعملان مجانا بل حصتهما في التداول مرتفعة جدا.  لم تصل هذه الطريقة الى الأسواق الأولية أي لنقل الملكية من الرسام نفسه الى الشاري بل تتم بين جهتين ثانويتين.
ثالثا:  هنالك دور كبير لصالات العرض في نقل التحفة من فريق الى آخر.  في ظل الاقتصادات المتعثرة بنموها، نرى أن صالات العرض تزدهر كثيرا لأن المواطن أصبح واع لأهمية الاستثمار في الفنون.  في لبنان مثلا، حيث السياسة والاقتصاد والأوضاع الاجتماعية كلها معقدة، تزدهر الصالات الفنية بالعدد والمحتوى وهنالك معارض كبيرة مهمة تستجيب لرغبة المواطن في الاطلاع على الانتاج الفني ومحتواه وهذا لم يكن موجودا حتى في ظروف الازهار والسلام.
نرى أن هذه الصالات تعلن السعر وهو ظاهر الى جانب السلعة.  يثق المواطن أكثر بهذه الطريقة لاعتقاده أن هذه الصالات ملمة جدا بالنوعية وبالتالي السعر المحدد هو الأقرب الى الحقيقة.  تعطي هذه الصالات أيضا نوعا من الشهادة التي تحدد هوية الفنان وبعض خصائص التحفة الفنية.  يمكن للفنان المشهور أن يفرض السعر على المسوقين، لكن يبقى لصالات العرض تأثير كبير بسبب الاتصالات والعلاقات التي تبنى مع المهتمين في الأسواق.  بسبب غياب طريقة واضحة لتحديد سعر أي سلعة فنية، يبقى للتفاوض دورا كبيرا في نقل الملكية بين فريقين.
تتغير الأسواق الفنية مؤخرا بسبب الاهتمام المادي والمعنوي المعطاة لها من قبل المشاركين والمرتكز على فهم المواطن العادي المتزايد لها.

بواسطة
د. لويس حبيقة
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى