أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

السيادة بين صناديق الاقتراع وفوهة السلاح: قراءة في الحسابات الخاطئة (نداء الوطن ٢٤ تشرين الأول)

سمعتُ أحد النواب السياديين يقول إن “الانتخابات المقبلة ستكون مدخلًا لتشكيل أكثرية سيادية وإصلاحية”. لست هنا في مقام النقد العدمي، بل في موقف نقاش بناء لمصلحة لبنان ولأجل السياديين أنفسهم، الذين أعتبر نفسي واحدًا منهم. لذلك، من الضروري تذكّر الواقع الذي لا يجوز تجاهله.

بعد الانتخابات الماضية، قُلتم إنكم تشكّلون أكبر كتلة نيابية سيادية، وستقلبون المعادلة بتأمين السيادة، مكافحة الفساد، محاسبة المفسدين، وقطع هيمنة الميليشيا على مؤسسات الدولة. والنتيجة حتى اليوم: قليل من الكلام وكثير من التنازل. فعلى الرغم من سيرتكم الطيبة التي لا غبار عليها، ونيّتكم الوطنية السليمة، ودخولكم الحكم وزاريًا ونيابيًا وإداريًا، لم يتحقق أيّ من هذه الأهداف العملية. ومؤشرات ذلك واضحة:

• عجزتم عن انتخاب رئيس سيادي من خيار كتلتكم، حتى إن مرشحًا مثل النائب ميشال معوض لم يُنتخب.

• قبلتم رئيسًا لم يكن خياركم الأول، وانكمشتم أمام الضغوط.

• أعلنتم رفضكم حكومة تضم الميليشيا، ثم رضختم وشارك “الثنائي الشيعي” فيها.

• فشلتم في فرض خيارَين سياديين لرئاسة الحكومة (اللواء أشرف ريفي أو السيد فؤاد مخزومي)، وقبلتم خيارًا آخر مرغمين.

• تنازلتم عن الوزارة الحساسة، وزارة المالية، لصالح خيار لا تقبلونه.

• أعلنتم ضرورة تجريد الميليشيا من سلاحها، ثم قبلتم بحوار حول ترتيبات التسليم بدل فرض الدولة لحصرية السلاح، ولم تضعوا جدولًا زمنيًا ملزمًا في مجلس الوزراء.

• وعدتم بآليات لمحاسبة الفاسدين، ولم يتم استرجاع أموال المودعين المنهوبة، كما لم يتم توقيف المتورطين المدعى عليهم في قضية تفجير مرفأ بيروت، رغم كل الوعود.

السبب لا يكمن فقط في ضعف الأدوات أو التوازنات، بل في خطأ جوهري في الحسابات السياسية. أنتم، للأسف، تبنون قراراتكم على فرضية واهية مفادها أن الميليشيا فقدت نفوذها وأن بيئتها تبتعد عنها. والحقيقة عكس ذلك تمامًا: الميليشيا لم تنتهِ بعد، ولم تضعف قاعدتها الاجتماعية. فالبيئة الشيعية، بحكم الارتباط العضوي والعقائدي القائم على مبدأ ولاية الفقيه، لا ترى في الخسائر والدمار والتهجير هزيمة، بل تضحية في سبيل العقيدة ولقاء المهدي المنتظر. هذه الفكرة المتجذرة في وجدانها تمنحها صلابة وإصرارًا على دعم الميليشيا مهما كانت النتائج. وما جرى مؤخرًا من دمار وموت لم يُضعف هذا الانتماء، بل زاده تمسكًا وإيمانًا وتطرفًا، والدليل ما حصل أمام صخرة الروشة وفي المدينة الرياضية.

فهل يعني ذلك أن الانتخابات وحدها ستولّد أكثرية سيادية قادرة على تغيير الواقع؟ لا، ليس إذا جرت في ظلّ سلاح الميليشيا وفي ظل القانون الانتخابي الحالي الذي يحرم المغتربين اللبنانيين تعسفًا من حق الانتخاب كباقي اللبنانيين المقيمين. فالأغلبية النيابية التي ستنتخبها بيئة داعمة للميليشيا ستُكرّس تمثيلها السياسي، وربما تزيده، وتطيل بقاء شخصيات مثل نبيه بري في مراكز القرار. لذلك، فإن الرهان على الانتخابات لتغيير الموازين من دون معالجة جوهر المشكلة هو رهان خاسر مسبقًا. فإجراء الانتخابات قبل نزع سلاح الميليشيا ومع حرمان المغتربين من حقهم في الانتخاب لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الميليشيا سياسيًا، وتعزيز حضورها في البرلمان، وتمديد سيطرة المنظومة الفاسدة نفسها لأربع سنوات أخرى.

الأولوية الوطنية واضحة: نزع سلاح الميليشيا قبل أي استحقاق انتخابي، ومنح المغتربين حق الانتخاب بالتساوي مع كل اللبنانيين المقيمين. فلا انتخابات حقيقية في ظل قوة مسلحة موازية تهدّد المواطنين وتُعطّل سيادة الدولة وقانون انتخاب استبدادي وغير دستوري. والحلّ الواقعي يمرّ عبر حماية دولية موقتة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لتفكيك السلاح غير الشرعي، ثم بناء نظام سياسي جديد يقوم على الديمقراطية الحقيقية، والمساواة في الحقوق والواجبات، ودولة الحق والقانون، وانتخاب طبقة سياسية جديدة نظيفة وغير فاسدة. من دون هذه الخطوة التأسيسية، ستبقى الانتخابات مجرّد دورة جديدة في حلقة مفرغة، تُكرّس الأمر الواقع بدل أن تغيّره.

 

أستاذ ومدير أبحاث في القانون الدولي والقوانين الجنائية في كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة ستراسبورغ
مستشار في المحكمة الجنائية الدولية (لاهاي)
محام عام أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان (لاهاي)
محام بالاستئناف في نقابة المحامين – بيروت

المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى