أخبار لبنانابرز الاخبار

من مواطن مُنتج الى «متسوّل»… هكذا قضت السياسات الحكومية على المُجتمع اللبناني(الديار 31 أيار)

كتب جاسم عجاقة في “الديار”:

من المعروف في الديموقراطيات، أن الحكومات تتشكّل على أساس برنامج كامل يحتلّ فيه الشق الاقتصادي حصّة الأسد. وبالتالي تأخذ هذه الحكومات ثقة المجلس النيابي بناءً على برنامج (البيان الوزاري) الذي يكون خارطة عمل الحكومة ويتمّ مُحاسبتها بناء عليه وعلى طرق التطبيق المتبعة.
البرنامج الحكومي، في العالم المتحضر، يفرض رؤية وإستراتيجية معقولة تتمّ ترجمتهما إلى خطوات عملية على أرض الواقع من خلال مشاريع قوانين تقوم الحكومة بتقديمها إلى المجلس النيابي لإقرارها. ولعل أهمّ قانون على هذا الصعيد هو قانون الموازنة العامّة السنوي الذي يُجسّد الإدارة المالية للدوّلة والخطّة الإقتصادية للبلد بما فيه مصلحة المواطن الذي وبحسب فلسفة الديموقراطيات، يأتي على رأس أولويات العمل السياسي، إذ المواطن عماد الوطن وعلّة وجوده.

أرست الدراسات العملية والممارسات التطبيقية النظّرة الأساسية لعمل الحكومات، حيث ترتكز هذه النظّرة على إكفاء حاجات المواطن بحسب ما أرساه هرم أبراهام ماسلو الذي صنّف حاجات الإنسان على شكل هرم من خمسة طوابق تبدأ فيه الأولية من الأسفل إلى الأعلى: الإحتياجات الفزيولوجية، إحتياجات الأمان، الإحتياجات الاجتماعية، الحاجة للتقدير، وتحقيق الذات. كل ما يطال الإنسان في حياته موجود في هذا الهرم وبالتالي يُقاس مدى نجاح السياسات الحكومية بحسب وضع المُجتمع في هذا الهرم.

اليوم المُجتمع اللبناني موجود في أسفل الهرم، إذ تُظهر البيانات على الأرض أن المواطن اللبناني أصبح عاجزًا عن تأمين أبسط الأمور التي يحتاجها للعيش الكريم (!!!) ولهذا الأمر سبب رئيسي ألا وهو فشل السياسات الحكومية في لبنان على مدى عقود.

لبنان ما قبل الحرب الأهلية كان مُزدهرًا ومُنتجًا، فقد بلغت نسبة الصادرات إلى الإستيراد 67% لتنخفض إلى 15% بعد الحرب الأهلية حتى نهاية العام 2019. وهذا يعني أنه قبل الحرب الأهلية كان اللبناني يُصدّر بـ 67 دولار أميركيا لكل 100 دولار إستيراد حيث كان الفارق يُعوّض بالتدفقات المالية التي كانت تأتي إلى لبنان مع قطاع مصرفي وسياحة مزدهرة.

عمليًا بعد الحرب الأهلية التي دمّرت نصف الماكينة الإقتصادية (الناتج المحّلي الإجمالي إنخفض إلى النصف بعد الحرب نسبة إلى ما كان قبلها)، كان من الطبيعي أن تنخفض الصادرات وترتفع الواردات (أي الاستيراد) بحكم أن هناك عجزاً عن سدّ حاجة السوق الداخلي. المُشكلة التي ظهرت لاحقًا تمثّلت في أن شبح الحرب الأهلية لم يغب عن المشهد السياسي وبالتحديد الحكومي حيث تمّ خلق مبدأ الديموقراطية التوافقية والتي قضت بدون أدنى شك على أي

أمل بوضع سياسات إقتصادية مسؤولة شفافة تصبّ في مصلحة المواطن اللبناني.

كل الحكومات التي توالت على الحكم منذ الطائف وحتى اليوم، لم يتمّ مُحاسبتها على بيانها الوزاري. وبالتالي أصبح البيان الوزاري هو خطاب يُلقيه رئيس الحكومة في جلسة الثقة ويأخذ الثقة من دون أن يكون هناك أي مُحاسبة من قبل المجلس النيابي للحكومة نظرًا إلى أن قرارات الحكومات المُتعاقبة كانت تُؤخذّ على أساس توافق بين المكونات السياسية في الحكومة والتي هي صورة مُصغّرة عن القوى السياسية في المجلس النيابي، مما يستحيل معه تطبيق مبدأ فصل السلطات الذي يعتبر أساس النجاح المؤسساتي والحوكمة الرشيدة والعمل التنظيمي.

لقد حوّلت السياسات الحكومية المُتتالية المواطن اللبناني من مواطن مُنتج يعمل في الصناعة والزراعة إلى مواطن يحتاج إلى بطاقة تموينية تُموّل من ديون من البنك الدولي، لكي يأكل ويشرب! هذه السياسات الخاطئة كلها حوّلت المواطن الذي يبرع في الخارج إلى مواطن «متسوّل» في بلده! وهذا الأمر سيزداد سوءاً مع تفاقم الأزمة السياسية وإنهيار كل القطاعات الحيوية للمواطن اللبناني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى