ما بعد “صيغة الإطار”… إعادة صياغة قواعد الاشتباك في الجنوب؟ (الجمهورية 13 تموز)

قال مصدر سياسي مطلع لـ«الجمهورية»، إنّه لا يمكن قراءة الانتقال من مرحلة التفاوض السياسي حول «صيغة الإطار» بين لبنان وإسرائيل إلى مرحلة تنفيذية ميدانية، عبر مفهوم تقني محدود يتعلق بإعادة انتشار أو ترتيبات أمنية فقط، بل في اعتباره محاولة لإعادة صوغ قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني بعد عقود من إدارة النزاع بمنطق الردع المتبادل. مراجعجغرافية
فالمسألة الأساسية التي باتت مطروحة على طاولة المفاوضات ليست فقط أين ينسحب الجيش الإسرائيلي ومتى ينتشر الجيش اللبناني، بل السؤال الأعمق: هل يستطيع لبنان الانتقال من موقع الساحة المتنازع عليها إلى موقع الدولة التي تحتكر قرار الأمن؟
وبحسب قراءة هذا المصدر السياسي المطّلع، فإنّ «صيغة الإطار» التي تعمل عليها الوساطة الأميركية، تقوم على معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل تريد ضمانات أمنية تمنع عودة التهديدات العسكرية على حدودها الشمالية، وتجريد جميع الميليشيات في لبنان من سلاحها، فيما يريد لبنان تثبيت مبدأ أنّ أي ترتيبات جنوبية يجب أن تمرّ عبر مؤسسات الدولة اللبنانية لا عبر تفاهمات أمنية منفصلة تتجاوزها. لذلك جاءت فكرة المناطق التجريبية كحل وسط أميركي: مناطق محدّدة يتمّ فيها اختبار قدرة الجيش اللبناني على الإمساك بالأرض، مقابل خطوات إسرائيلية تدريجية في الانسحاب وإعادة الانتشار.
لكن خلف هذه الصيغة التقنية توجد معركة سياسية أوسع، بحسب المصدر نفسه: فإسرائيل لا تنظر إلى المنطقة التجريبية كخطوة رمزية فقط، بل كـ«دليل أداء» إلى قدرة الدولة اللبنانية على منع إعادة بناء البنية العسكرية لـ«حزب الله» قرب الحدود. ولهذا تصرّ تل أبيب على أنّ تكون آليات المراقبة والتحقق جزءاً أساسياً من الاتفاق، لأنّ التجارب السابقة، وخصوصاً بعد القرار 1701 عام 2006، جعلت الجانب الإسرائيلي يعتبر أنّ النصوص الدولية وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها قدرة تنفيذية لبنانية. فيما يتعامل لبنان مع هذه المناطق بمنطق مختلف تماماً. فالمعادلة اللبنانية الرسمية تقوم على أنّ أي خطوة أمنية يجب أن تبدأ من مبدأ استعادة السيادة لا من مبدأ تقديم ضمانات أمنية لإسرائيل. ولهذا كان الموقف اللبناني، بحسب المصدر، حريصاً على ألّا تتحوَّل «المناطق التجريبية» إلى تجربة أحادية لاختبار الجيش اللبناني، بينما يبقى الاحتلال العسكري الإسرائيلي قائماً. لذلك يطالب لبنان بأن تكون المنطقة الأولى مرتبطة بانسحاب إسرائيلي فعلي، لا بمجرّد انتشار لبناني منفرد. أمّا اختيار روما كإطار لاستكمال المفاوضات المباشرة، فيحمل دلالة سياسية تتجاوز المكان. فاللقاء خارج المنطقة، وبرعاية أميركية مباشرة، يهدف إلى خلق مساحة تفاوضية بعيدة من الضغط الإعلامي والسياسي الداخلي في بيروت وتل أبيب. فالولايات المتحدة تحاول لعب دور «المهندس» الذي يضبط التوازن بين مطلبَين متناقضَين: مطلب لبناني عنوانه السيادة الكاملة، ومطلب إسرائيلي عنوانه الأمن المطلق.
ويرى المصدر السياسي، أنّ واشنطن لا تريد تكرار نموذج اتفاقيات سابقة بقيت حبراً على ورق، ولذلك انتقلت من مرحلة صوغ المبادئ العامة إلى هندسة آليات التنفيذ: خرائط انتشار، جداول زمنية، لجان تقنية، وآليات تحقق. فجوهر التجربة الأميركية الحالية يقوم على فكرة بسيطة: لا اتفاق قابلاً للحياة من دون آلية تنفيذ تجعل التراجع عنه أكثر كلفة من الالتزام به. لكنّ العقبة الأكبر ليست فقط بين لبنان وإسرائيل، بل داخل لبنان نفسه. إذ إنّ أي صيغة تربط الانسحاب الإسرائيلي بإعادة تنظيم الوضع الأمني جنوباً، تفتح مباشرة ملف السلاح خارج الدولة، وهو الملف الأكثر حساسية في النظام السياسي اللبناني. وهنا يصبح التفاوض الحدودي جزءاً من معركة أوسع حول تعريف الدولة اللبنانية نفسها: هل هي دولة تملك القرار الأمني والعسكري الكامل، أم دولة تتقاسم هذا القرار مع قوى أخرى؟
ومن منظور ديبلوماسي، فإنّ نجاح هذا المسار يحتاج إلى ثلاث حلقات مترابطة: الأولى: إرادة أميركية للاستمرار في الرعاية وعدم الاكتفاء بالتواقيع السياسية. الثانية: قدرة لبنانية رسمية على تحويل الدعم الدولي للجيش نفوذاً فعلياً على الأرض. والثالثة: استعداد إسرائيلي للانتقال من منطق السيطرة الأمنية إلى منطق التسوية السياسية.
التجارب التاريخية في المنطقة، بحسب المصدر نفسه، تقول إنّ أصعب مرحلة ليست الوصول إلى الطاولة، بل البقاء عليها بعد بدء التنازلات المتبادلة، ويغمز من قول ديبلوماسيّين عملوا في ملفات حدودية مشابهة: «الحدود لا تصبح مستقرة عندما تتوقف البنادق فقط، بل عندما تصبح المؤسسات أقوى من أسباب العودة إلى الحرب».



