أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص – العفو العام بين السياسة والاقتصاد.. هل يتم التخلّص من كلفة إكتظاظ السجون؟

مع عودة النقاش والجلسات النيابية المرتبطة بدراسة اقتراح قانون العفو العام، تتوسّع المقاربات المرتبطة بهذا الملف لتتجاوز البعد السياسي التقليدي، نحو أسئلة اقتصادية واجتماعية تتصل بكلفة الاكتظاظ داخل السجون، وإمكان إعادة دمج آلاف الأشخاص ضمن الدورة الاقتصادية وسوق العمل. فهل يمكن أن يتحوّل العفو العام من مجرّد تسوية سياسية إلى أداة ذات انعكاسات اقتصادية واجتماعية أوسع؟

في هذا السياق، رأى الخبير في التنمية الاجتماعية رمزي أبو خالد في حديث لموقعنا Leb Economy أنّ “العفو العام في لبنان ليس مجرّد قرار قانوني، بل مفترق بين منطقين، إما أن يكون أداة تسوية سياسية ظرفية، أو أن يتحوّل إلى سياسة اقتصادية – اجتماعية تعيد إنتاج الإنسان بدل استهلاكه داخل السجون”.

الخبير في التنمية الاجتماعية رمزي أبو خالد

وأوضح أنّ “المقاربة الجديدة للعفو يجب أن تنطلق من كيفية تحويله إلى “أداة تحفيز اقتصادي مقنعة”، بدلاً من اعتباره مجرّد تنازل سياسي”، مشيراً إلى “إمكانية ربطه بحزمة تحفيزية لسوق العمل من خلال إدماج المستفيدين ضمن قطاعات تحتاج إلى اليد العاملة، كقطاعي الزراعة والبناء والمهن الحرفية وغيرها”.

ولفت إلى أنّ “السجين اليوم يشكّل كلفة على الدولة، لكن بعد العفو يمكن أن يتحوّل إلى عنصر منتج”، معتبراً أنّ “التحدّي يكمن في تحويل كلفة الاحتجاز إلى قيمة إنتاجية”.

وأشار أبو خالد إلى أنّ “العفو يمكن أن يُطرح أيضاً كجزء من العدالة الاجتماعية، لا كجزء من الصفقات السياسية، عبر إعادة تعريفه بوصفه تصحيحاً لاختلالات اجتماعية مرتبطة بالفقر والتهميش وغياب الفرص، وليس كمكافأة مرتبطة بقوى سياسية”.

وأضاف أنّ “غالبية المستفيدين المحتملين من العفو ينتمون إلى مناطق تعاني اقتصادياً، ما يتيح ربط العفو بخطة إنمائية للمناطق المهمّشة وتحويله إلى جزء من مشروع إنماء محلي”.

وفي ما يتعلّق بقدرة العفو العام على إعادة دمج المستفيدين ضمن الدورة الاقتصادية، اعتبر أبو خالد أنّ “هناك قوة عمل جاهزة ولكن غير مستثمرة”، موضحاً أنّ “آلاف الأشخاص موجودون خارج سوق العمل بسبب ملفات قانونية لا بسبب عدم قدرتهم على الإنتاج”.

وأكد أنّ “العفو يمكن أن يعيد ضخ هذه الطاقات في الاقتصاد، إلى جانب مساهمته في تقليص حجم الاقتصاد الموازي، إذ إنّ العديد من هؤلاء يعملون خارج الأطر القانونية والرسمية، وبالتالي فإنّ دمجهم يساهم في توسيع القاعدة الضريبية”.

ولفت إلى أنّ “فتح باب العمل أمام هذه الفئات قد يساهم أيضاً في خفض معدلات الجريمة المرتبطة بالفقر، لأنّ توافر فرص العمل يخفّف الحافز للعودة إلى الأنشطة غير القانونية، ما ينعكس بدوره على خفض الكلفة الأمنية على الدولة”.

وأضاف أبو خالد أنّ “منح الأفراد “فرصة جديدة” يعيد بناء الثقة بينهم وبين الدولة، ويجعلهم أكثر استعداداً للالتزام بالقانون وأقل عدائية تجاه النظام”.

وفي ما يخصّ خطط الدولة لإعادة التأهيل المهني والاجتماعي، أكد وجود “غياب لرؤية وطنية متكاملة حتى الآن”، مشيراً إلى “عدم وجود إطار واضح يربط العفو ببرامج إعادة تأهيل ممنهجة، بل مجرد مبادرات متفرقة تقوم بها بعض الجمعيات بصورة فردية، من دون أن تتحوّل إلى سياسة عامة مستدامة”.

واعتبر أنّ “هناك فجوة بين القرار السياسي والتنفيذ الإداري”، موضحاً أنّ “الأجهزة التنفيذية “غير مجهّزة لاستيعاب نتائج العفو” حتى في حال إقراره”.

ورأى أبو خالد أنّ “هذا الواقع يفتح المجال أمام شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، عبر إشراك الشركات والجمعيات في برامج التدريب والتشغيل، مقابل حوافز تشمل الإعفاءات والدعم، بما يساهم في خلق مسار عملي لإعادة الدمج الاجتماعي والاقتصادي”.

أما في ما يتعلق بالانعكاسات الاقتصادية لاستمرار الاكتظاظ داخل السجون، فشدد على أنّ “كلفة السجين أعلى من إنتاجيته المحتملة”، موضحاً أنّ “الدولة تتحمّل نفقات الإيواء والغذاء والأمن من دون أي عائد اقتصادي”.

وأضاف أنّ “الاكتظاظ يولّد أعباء صحية وأمنية إضافية مرتبطة بالأمراض والتوترات والمشكلات الأمنية داخل السجون، وكلها تترجم إلى نفقات إضافية على الدولة”.

وأشار إلى أنّ ““العفو المدروس” يمكن أن يخفّف الضغط عن المالية العامة من خلال تقليل عدد السجناء وخفض الإنفاق المرتبط بهم”، محذّراً في الوقت نفسه من مخاطر العفو غير المنظّم، إذ إنّ غياب خطط الدمج والتأهيل قد يحوّل الفائدة الاقتصادية إلى عبء أمني جديد يعيد إنتاج الكلفة بصورة مضاعفة.

وختم أبو خالد بالتأكيد أنّ “العبرة تبقى دائماً بآليات التنفيذ، وليس فقط بالقرارات والقوانين”.

بواسطة
جنى عبد الخالق
المصدر
خاص Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى