ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

لماذا تتصاعد المخاوف بشأن مضيق ملقا؟

أدت الاضطرابات في حركة الملاحة بمضيق هرمز إلى إثارة مخاوف بشأن نقاط ضعف في ممر بحري حيوي آخر يقع في منتصف العالم الآخر.

مضيق ملقا -وهو ممر مائي ضيق بين إندونيسيا وماليزيا تمر عبره التجارة باتجاه سنغافورة- ينقل أكثر من خُمس التجارة البحرية العالمية، ويُعد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.

لطالما اعتُبر المضيق نقطة ضعف استراتيجية -خاصة بالنسبة للصين التي تعتمد عليه بشكل كبير في واردات الطاقة- وقد أصبح تحت مجهر الاهتمام بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل إيران رداً على الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

في حين يخضع مضيق ملقا لقواعد دولية تضمن حرية المرور، ساد القلق بعد أن طرح مسؤول إندونيسي رفيع المستوى لفترة وجيزة فكرة فرض رسوم عبور. فيما أكد مسؤولون في المنطقة منذ ذلك الحين أن المضيق سيبقى مفتوحاً ودون رسوم عبور.

مع ذلك، تسلط هذه الواقعة الضوء على مدى حساسية التجارة العالمية تجاه أي اضطراب في أحد أكثر ممراتها استخداماً.

ما أهمية مضيق ملقا؟

يعد مضيق ملقا أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، ويربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي ومنطقة المحيط الهادئ الأوسع.

يمتد المضيق لنحو 500 ميل بين جزيرة سومطرة الإندونيسية وشبه جزيرة الملايو، وتحدُّه تايلندا من الشمال وسنغافورة عند مدخله الجنوبي، مما يجعله أقصر طريق بحري بين الشرق الأوسط وشرق آسيا.

وقد جعلت هذه الميزة من ملقا ممراً لا غنى عنه. إذ عبرت أكثر من 102,500 سفينة المضيق في عام 2025، ارتفاعاً من نحو 94,300 سفينة في عام 2024، وفقاً لإدارة البحرية الماليزية.

تمر عبر الممر المائي مجموعة واسعة من البضائع، بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والفحم وزيت النخيل وخام الحديد، إضافة إلى السلع المصنعة.

في النصف الأول من عام 2025، تم شحن حوالي 23.2 مليون برميل من النفط يومياً عبر المضيق، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، لتزويد اقتصادات كبرى تشمل الصين واليابان وكوريا الجنوبية. ويتجاوز هذا الرقم حجم البراميل التي مرّت عبر مضيق هرمز خلال الفترة نفسها والبالغة نحو 20.9 مليون برميل.

ما الذي يجعل مضيق ملقا ممراً بحرياً حيوياً ؟

في أضيق نقطة له، لا يتجاوز عرض مضيق ملقا 1.7 ميل (2.7 كيلومتر)، ما يبرز هشاشته في ظل الكثافة الهائلة لحركة الملاحة التي تمر عبره. يزيد ذلك من مخاطر التصادم والجنوح، لا سيما في أكثر أجزائه ازدحاماً. حتى الاضطرابات محدودة النطاق يمكن أن تبطئ حركة الملاحة وترفع تكاليف الشحن.

تمثل القرصنة والسطو المسلح أيضاً مصدر قلق، إذ شهدت الهجمات ارتفاعاً ليصل إجمالي الحوادث إلى 108 في مضيقي ملقا وسنغافورة خلال عام 2025. وفي حين توجد طرق بديلة عبر الأرخبيل الإندونيسي، إلا إنها ليست بنفس القدر من الملاءمة أو السهولة في الملاحة، حيث يتسم مضيق سوندا بضحالته في بعض أجزائه، كما يقع في منطقة بركانية نشطة.

كذلك، يضيف المسار عبر مضيقي لومبوك وماكاسار وقتاً وتكلفة كبيرة، إذ تصبح الرحلة من ميناء رأس تنورة في السعودية إلى اليابان أكثر من ضعف المسافة عبر مضيق ملقا.

من يسيطر على مضيق ملقا؟

تشرف إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة على المضيق، وتمارس السيادة على مياهها الإقليمية التي تمتد حتى 12 ميلاً بحرياً من سواحلها، وذلك بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. أنشأت الدول الساحلية الثلاث إطاراً ثلاثياً في عام 1971 لتنسيق إدارة مضيق ملقا.

في الوقت نفسه، يُصنَّف ملقا مضيقاً دولياً، ما يعني أن للسفن والطائرات حق المرور العابر الذي يتيح لها التحرك بشكل مستمر ودون عوائق.

لا يمكن للدول الساحلية تعليق العبور أو فرض رسوم على السفن لمجرد المرور بموجب القانون الدولي، لكن فرض رسوم مقابل خدمات محددة مسموح به. وتنسّق الدول الثلاث، إلى جانب تايلندا بشكل وثيق في مجالي الأمن والسلامة، بما في ذلك جهود مكافحة القرصنة والدوريات المشتركة.

وعلى الرغم من عدم سيطرة أي دولة بشكل كامل على المضيق، فإن مواقعها الجغرافية تمنحها نفوذاً كبيراً على أحد أهم طرق التجارة في العالم.

لماذا يتزايد القلق بشأن مضيق ملقا؟

سلّطت التهديدات التي تواجه الشحن في مضيق هرمز الضوء على مدى سرعة تحوّل ممرات حيوية ضيقة إلى بؤر توتر جيوسياسي وعبء على الاقتصاد العالمي.

طرح وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي ساديوا إمكانية فرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق بعد أن تحركت إيران لفرض رسوم مماثلة في هرمز، لكنه تراجع سريعاً.

تدرس وزارة الدفاع الإندونيسية أيضاً مقترحاً أميركياً للسماح للطائرات العسكرية بالتحليق عبر المجال الجوي الإندونيسي، وهو الأمر الذي واجه معارضة قوية داخل المؤسسة العسكرية، بما في ذلك المخاوف المتعلقة بالسيادة.

استجابت سنغافورة سريعاً، مؤكدة ضرورة بقاء المضيق مفتوحاً ومتاحاً للملاحة الدولية. كما شددت ماليزيا على أهمية ضمان مرور الملاحة دون عوائق، بما يعكس مصلحة مشتركة بين الدول الساحلية في الحفاظ على انسياب حركة الملاحة.

دفعت أزمة مضيق هرمز تايلندا، الواقعة إلى الشمال الشرقي من مضيق ملقا، إلى إعادة تسليط الضوء على هدفها طويل الأجل بإنشاء “جسر بري” يربط بين الطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية عبر شبه جزيرتها الجنوبية. ومن شأن ذلك تجاوز المضيق وتقليص أوقات العبور، لكنه يُنظر إليه كونه مشروعاً بالغ الصعوبة من الناحيتين اللوجستية والمالية.

لماذا يكتسب مضيق ملقا هذه الأهمية بالنسبة للصين؟

تُعد الصين من أشد الدول تأثراً بالمخاطر في مضيق ملقا. فهي أكبر مستورد للنفط في العالم، إذ يتم نقل معظم إمداداتها عن طريق البحر ويمر عبر هذا الممر المائي.

وقد دفعت هذه الهشاشة الصين إلى تكثيف الجهود لتنويع طرق الإمداد، بما في ذلك مدّ خطوط أنابيب من آسيا الوسطى وروسيا، والاستثمار في ممرات بديلة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، ومنها عبر ميانمار.

ومع ذلك، تظل الطرق البحرية محوراً رئيسياً للاقتصاد الصيني، ما يجعله شديد الحساسية تجاه أي اضطرابات على طول ممر ملقا.

لطالما نظر قادة الصين إلى المضيق بوصفه نقطة ضعف استراتيجية في حال وقوع صراع، وهو ما يُعرف عادةً بـ”معضلة ملقا”، وهو مصطلح شاع خلال رئاسة هو جينتاو في مطلع الألفية.

وتزداد الصورة تعقيداً بسبب المطالبات الإقليمية المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي القريب، وبسبب التنافس الاستراتيجي بين بكين وواشنطن على النفوذ البحري في المنطقة.

استُخدمت الممرات المائية في جنوب شرق آسيا أثناء عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، ضمن ما يُعرف بـ”أسطول الظل” الإيراني، الذي ينقل النفط بطرق سرية لتفادي العقوبات، حيث يصل الكثير منه في النهاية إلى الأسواق الآسيوية، بما في ذلك الصين.

قال رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين هذا الشهر إن القوات الأميركية “ستلاحق بقوة” السفن التي تحاول تقديم دعم مادي لإيران، بما في ذلك تلك التي تنقل النفط الإيراني.

المصدر
بلومبرغ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى