هل يُطهى الرزّ البسمتي بماء مضيق هرمز؟

في مساءٍ هادئ، تمتدّ يد ربّة المنزل إلى خزانة المطبخ لتلتقط كيس الرز، فتفاجئها ورقة السعر بزيادةٍ جديدة. لا تبدو الزيادة كبيرةً في لحظةٍ واحدة، لكنها تتكرّر بهدوء، مرةً بعد أخرى، حتى تتحوّل إلى عبءٍ يومي يثقل فاتورة التسوّق. ما لا يظهر على العبوة هو أن هذه الزيادة تبدأ من مكانٍ بعيد: مزارع الرز في جنوب آسيا، وتمر عبر مضيق هرمز، قبل أن تصل إلى الموائد.
ليس في الأمر مصادفة.
في الظاهر، يبدو أن العالم لا يعاني من نقصٍ في الرز. على العكس، تشير أحدث البيانات إلى أن الإمدادات العالمية مريحة نسبياً، مع توقعاتٍ بوصول الإنتاج إلى نحو 563 مليون طن في موسم 2025-2026، وهذا مستوى قياسي. كذلك عادت الهند، أول البلدان المصدّرة، إلى التصدير بكامل طاقتها تقريباً بعدما بلغت صادراتها نحو 21,5 مليون طن في 2025، منها أكثر من ستة ملايين طن من الرز البسمتي. وهذا يبقي أسعار الرز العالمية تحت السيطرة نسبياً، بل يدفعها إلى التراجع في بعض الفترات.
لماذا ينخفض في مكان ويرتفع في آخر؟
تُظهِر بيانات حديثة أن مؤشر أسعار الرز العالمي انخفض بنحو ثلاثة في المئة في آذار/مارس 2026، مقارنةً بالشهر السابق، على رغم ارتفاع أسعار الغذاء عموماً. هنا تبرز مفارقة لافتة: الأسعار العالمية تتراجع، فيما ترتفع في بعض الأسواق. السبب؟ نقطة ضعفٍ أساسية تتمثّل في سلاسل الإمداد، لا في حجم الإنتاج.
بسبب حرب إيران وما تبعها من اضطرابٍ في الملاحة عبر مضيق هرمز، قفزت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل في ذروة التوتر قبل أن تتراجع جزئياً، فيما ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بحدةٍ قبل أن تدخل في حالٍ من التقلب في ضوء عدم اليقين. لم ينتج هذا الاضطراب من عاملٍ واحد بل من ضغط مركّب: توترات وقيود مرتبطة بحركة الملاحة داخل المضيق، يقابلها حصار أميركي بدأ في منتصف نيسان/أبريل مستهدفاً السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، ما جعل حركة التجارة أشد بطئاً وأعلى تكلفةً وأكثر تعقيداً.
لا ينقل هذا الممر البحري النفط وحده، إذ تمرّ عبره أيضاً كميات كبيرة من مدخلات الزراعة. تشير تقديرات حديثة إلى أن نحو ثلث التجارة العالمية لليوريا – أكثر أنواع الأسمدة النيتروجينية استخداماً في العالم – يعبر هذا المسار. مع تصاعد الأزمة، ارتفعت أسعار اليوريا من نحو 470 دولاراً للطن إلى نحو 550 دولاراً في أسابيع، أي بزيادة تقارب 80 دولاراً للطن، ما يعكس قفزةً في تكاليف الأسمدة.
لماذا تظهر الصدمة الأولى في النقل؟
يعتمد الرز، ولا سيما منه البسمتي، على الشحن البحري مسافاتٍ طويلة. ومع ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين، تصبح كل شحنةٍ أغلى قبل أن تصل إلى وجهتها. وفي حالاتٍ عديدة، لا تتوقّف التجارة بالكامل، لكنها تصبح أبطأ وأعلى تكلفة، ما يتسبّب باختناقاتٍ موقتة في الأسواق المستوردة. هذه الاختناقات لا تعني نقصاً عالمياً في الرز، بل تشي بصعوبةٍ في وصوله في الوقت المعتاد وبالسعر المعتاد.
انعكس هذا الأثر سريعاً في الأسعار؛ إذ ارتفعت أسعار تصدير الرز البسمتي من 925 دولاراً للطن في كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى نحو 1150 دولاراً للطن في كانون الثاني/يناير 2026، أي بزيادةٍ تقارب 24% في شهر واحد. كذلك سجّلت الأسعار في السوق الهندية بالجملة ارتفاعاً إضافياً بنحو سبعة في المئة خلال نيسان/أبريل 2026، مع عودة الطلب من أسواق الشرق الأوسط.
لكن الصورة أشد تعقيداً في حالة الرز البسمتي. فهذا النوع الفاخر، الذي يشكّل عنصراً أساسياً في المطبخ الخليجي، يأتي في معظمه من الهند وباكستان، ويتجه أساساً إلى الأسواق السعودية والإماراتية والعراقية والإيرانية. أي أن الطلب الخليجي ليس هامشياً، بل هو في قلب هذه السوق. قبل الحرب حتى، كانت أسعار البسمتي تتأثر بعواملٍ داخلية، منها تقلب الكميات المعروضة واشتداد المنافسة على المحصول العالي الجودة، إضافةً إلى قوة الطلب على الصادرات. هذه العوامل جعلت الأسعار أكثر حساسيةً لأي صدمةٍ خارجية.
هنا تتقاطع العوامل. من جهة، ترفع تكلفة الشحن السعر النهائي في الأسواق المستوردة، ولاسيما منها الأسواق الخليجية. ومن جهة أخرى، تؤدي اضطرابات عبور مضيق هرمز إلى تأخير بعض الشحنات أو إعادة توجيهها. ومع كل تأخير، ترتفع تكلفة التمويل والتخزين، وتزداد الضغوط على الأسعار المحلية.
ما هو الأثر الأبطأ، لكن الأثقل؟
لا ينعكس ارتفاع أسعار الأسمدة فوراً، لكنه يضغط على تكلفة الإنتاج الزراعي في المواسم المقبلة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتحوّل من أزمة نقلٍ موقتة إلى عامل ضغطٍ حقيقي على إنتاج الغذاء، بما في ذلك الرز. بالتوازي، ترتفع تكلفة كل ما يحيط بالسلعة: من النقل إلى التخزين إلى التوزيع. في اقتصاداتٍ تعتمد على الاستيراد، كما هي الحال في معظم البلدان العربية، تنتقل هذه الزيادة بسرعةٍ إلى المستهلك النهائي.
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبدو الصورة أشدّ حساسية. تُعَدّ المنطقة بين أكثر المناطق اعتماداً على استيراد الغذاء، وخصوصاً الحبوب والرز. ومع أي اضطرابٍ في التجارة العالمية، تتضاعف الضغوط. هنا، لا يكون التحدي في توافر السلعة عالمياً، بل في القدرة على تأمينها بسلاسةٍ وبتكلفةٍ معقولة.
لبنان مثال واضح: يعتمد في شكلٍ شبه كامل على استيراد الرز، ما يجعله عرضةً لأي ارتفاع في تكاليف الشحن أو اضطرابٍ في سلاسل الإمداد. وفي ظل قدرةٍ شرائية محدودة بسبب الأزمة المالية الممتدة منذ 2019، تتحوّل الزيادات التدريجية إلى ضغطٍ ملموس على الأسر، يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية.
ما يميّز هذه الأزمة أنها لا تبدأ من الحقول. لا تزال إمدادات الرز العالمية مريحة نسبياً، لكن المشكلة تكمن في الوصول إليها، لا في توافرها. تتحرّك الأزمة عبر قنواتٍ غير مباشرة: الطاقة، والشحن، والتأمين، والأسمدة. أي أنها أزمة تكلفة وتدفّق، لا أزمة نقص مطلق.
في النهاية، لا يحتاج المستهلك، وخصوصاً العربي، إلى متابعة أسواق السلع لفهم ما يجري. فيكفي أن ينظر إلى كيس الرز. من حبوب البسمتي إلى طبق الكبسة أو البرياني، تحمل كل وجبةٍ اليوم بصمة طريقٍ طويلة تمرّ عبر مضيق هرمز. وهكذا يبدو أن المسافة لم تعد بعيدةً بين هرمز والمائدة كما كنا نظن في يومٍ ما.



