ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

حصار هرمز: معركة نفوذ تختبر الأقدر على تحمل كلفة الصراع

ترافقت ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية مع الكثير من المفاجآت التي هزت الأسواق، بداية من “رسوم التحرير”، وصولاً إلى حرب إيران.

ولكن أحدث المفاجآت، أي طرح حصار مضيق هرمز، جاءت كصاعقة على الأسواق، التي كانت سارعت إلى توقع حل دبلوماسي عند إعلان وقف إطلاق النار، خصوصاً أن تبعات خطوة كهذه قد تحمل مخاطر يمكن أن تفاقم صدمة أسعار الطاقة، وتلقي بظلالها على النمو العالمي ككل.

كان ترمب حاسماً في تصريحاته، إذ أكد في منشور على “تروث سوشال” أن البحرية الأميركية ستحاصر المضيق. ولكنه لم يحدد ما المقصود بالحصار، لتقوم الإدارة الأميركية بنشر توضيحات تشير إلى أنه يشمل السفن التي تتوجه من وإلى الموانئ الإيرانية عبر المضيق.

مبررات ترمب لفرض حصار
رأى أمود شكري، استراتيجي الطاقة وزميل زائر أول في جامعة “جورج ماسون” في واشنطن، أن ترمب لديه هدف استراتيجي وراء تهديده، إذ يريد “تحييد نفوذ إيران عن هذا المضيق الحيوي”، بحيث تمنع السيطرة الأميركية على المضيق إيران “من تعطيل الملاحة، أو انتزاع تنازلات سياسية، أو استخدام المضيق كأداة ضغط. كما يعزز هذا التهديد الهيمنة البحرية الأميركية، ويؤكد عزم الولايات المتحدة بعد فشل المفاوضات”.

ولكن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر وتداعيات وفق شكري، إذ اعتبر أنه حتى لو كان الهدف تحقيق استقرار حركة الملاحة، فإن “أي اضطراب أو عدم يقين في الخليج العربي، قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتأجيج التضخم”.

تفكيك “آلية عدم الاستقرار” الإيرانية
لا تختلف آيرينا تسوكرمان، المحامية والمحللة الأميركية ومقرها نيويورك، مع هذا التوصيف، إذ اعتبرت أن استراتيجية ترمب تنطوي على تحول جذري في كيفية تنظيم “الإكراه” في مياه الخليج العربي.

وأضافت في مقابلة مع “الشرق”، أن إيران خلال السنوات الماضية، لم تكن بحاجة إلى إغلاق المضيق للاستفادة منه سياسياً، معتبرة أن النظام الإيراني “صمم آلية تولد قيمة من عدم الاستقرار”، وذلك من خلال الحفاظ على مستويات من التهديد والمضايقات المستمرة، ما ينعكس بصورة رسوم خفية في قيم التأمين والشحن وتقلبات الأسعار.

ورأت في تحركات ترمب محاولة لـ”تفكيك الآلية الإيرانية”، من خلال التحكم بمسار الصادرات الإيرانية، وتعطيل أساطيل الظل التي تعتمد البلاد عليها في تحقيق مكاسب مالية والتهرب من العقوبات.

لكن تسوكرمان اتفقت أيضاً بأن هذه الخطوة تحمل مخاطر، فالسوق تتفاعل مع الاضطرابات المتوقعة، بدلاً من النقص المؤكد، في وقت أن مضيق هرمز ينظر إليه بوصفه “أكثر النقاط حساسية في حسابات السوق”.

صدمة الأسواق واستجابة الأسعار
بالفعل، تحركت الأسعار بشكل فوري مع تصريحات ترمب. إذ قفزت أسعار خام “برنت” بنحو 9% في بداية التداولات الآسيوية يوم الإثنين، ليعود الخام القياسي إلى عتبة 103 دولارات، كما قفزت أسعار الغاز الأوروبي بعد تصريحات ترمب.

واعتبرت تسوكرمان أن حسابات ترمب الأساسية تفترض أن المكاسب الاستراتيجية من هذه الخطوة تعوض الضغط الاقتصادي، وهي فكرة سبق وعبر عنها ترمب نفسه عندما قال إن ارتفاع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة بسبب حرب إيران “ثمن ضئيل للغاية بالنسبة لأميركا والعالم من أجل السلام والأمن”.

وتابعت أن إضعاف قدرة إيران على استغلال مضيق هرمز، قد يقلل الاضطرابات المستقبلية، ويساهم باستقرار النظام بمرور الوقت. ولكن ذلك مشروط بكيفية تكيف الأسواق وتفاعلها مع القرار، ومدة استمرار هذا الضغط، معتبرة أن الصدمات قصيرة الأجل “يمكن استيعابها”.

الضغط على إيران وإعادة تشكيل التحالفات
من جهته، رأى باباك حافظي، أستاذ مساعد في إدارة الأعمال الدولية في الجامعة الأميركية في واشنطن، أن التهديد يهدف للضغط على إيران، ويسعى إلى “تقليص نفوذها التجاري، وربما الضغط على حلفاء للتحالف مع الولايات المتحدة في فتح المضيق”.

سبق ووجه الرئيس الأميركي سهام انتقاداته إلى حلفائه، وخصوصاً “حلف شمال الأطلسي” (الناتو)، معتبراً أنه “نمر من ورق”، ولم يساعد الولايات المتحدة عندما طلبت منه المساعدة في فتح المضيق، “ولن يساعدها” مستقبلاً.

كما وصلت التهديدات إلى حد مناقشة سحب الولايات المتحدة من الحلف، أو اتخاذ إجراءات أخرى تضغط عليه مثل سحب جنود من أوروبا.

حافظي أشار في مقابلة مع “الشرق”، إلى أن القرار الأخير، “يظهر أن الولايات المتحدة مستعدة لتصعيد الصراع، وإظهار قوتها على إيران” لإجبارها على قبول اتفاق.

الآثار الاقتصادية المباشرة
اتفق المحللون أيضاً مع رأي مارك بارماك بشاراتي، مؤسس ورئيس “مركز إيران للازدهار والحيازات والاقتصاد والاستقرار” (CIPHES)، بشأن الآثار الاقتصادية المباشرة للقرار على الأسواق، والمتمثلة في ارتفاع أسعار الخام والمنتجات المرتبطة، ومخاوف ارتفاع التضخم وانخفاض النمو.

ولكنه رأى في مقابلة مع “الشرق”، أن القرار “سيعيق فعلياً قدرة إيران على تمويل الحرس الثوري والوكلاء الخارجيين”، مضيفاً أن هذا بدوره سيضعف القدرات الدفاعية، وقد يسرع من وتيرة انتقال السلطة في إيران”.

وكان بند تمويل الوكلاء والجماعات المسلحة، أساسياً على طاولة المحادثات بين واشنطن وطهران في باكستان، والتي باءت بالفشل.

هل الحصار قابل للتنفيذ؟
من جهته، رأى ألكسندر توميك، العميد المشارك للاستراتيجية والابتكار والتكنولوجيا ومدير برنامج ماجستير العلوم في الاقتصاد التطبيقي في كلية بوسطن، أن دافع ترمب الاستراتيجي قد يكون حرمان إيران من عائدات النفط، والرسوم التي تفرضها على المرور الآمن في المضيق.

ولكنه شكك أيضاً في إمكانية فرض الحصار، في إشارة إلى تراجع ترمب عن القرارات، وهي ممارسة دأب على تكرارها خلال ولايته الثانية.

وقال في تصريح لـ”الشرق”، إن القرار “على افتراض تنفيذه واستمراره”، سيرفع أسعار النفط ويزيد من الضغوط التضخمية، لكنه نبه إلى أن المعلومات لا تزال شحيحة، لذا يصعب تكوين صورة كاملة.

الصين في صدارة المستهدفين
يعتبر مضيق هرمز أساسياً لمسارات الطاقة حول العالم، إذ كان يتعامل قبل الحرب، مع نحو خمس الإمدادات العالمية، وتذهب غالبيتها إلى آسيا.

وفي حال نفذ ترمب تهديده، فإن ذلك من شأنه أن يقطع نحو مليوني برميل يومياً عن السوق، كانت إيران ترسلها عبر المضيق خلال الحرب.

ولكن أسعار النفط ليست الخطر الوحيد أمام هكذا خطوة، إذ لم تصدر الصين أي موقف بشأن خطط ترمب الأخيرة، خصوصاً أنها والهند، من كبار مشتري النفط الإيراني.

استخدام الطاقة كورقة ضغط
رجح غالفين لي كوان سيان، محاضر في التسويق والاقتصاد في كلية تايلورز في ماليزيا، أن الخطوة الأميركية تهدف لفرض بعض الضغوط على الصين.

ورأى في تصريحات لـ”الشرق”، أن قطع التدفقات المرتبطة بإيران، سيرفع سعرها، وسيدفع كبار المستوردين إلى “إظهار اهتمام أكبر بإعادة فتح الممر المائي”.

ولكنه لفت أيضاً إلى أن ترمب قد يكون يوجه رسالة للحلفاء بأن واشنطن “عازمة على استعادة السيطرة على الممر الحيوي للطاقة” من التهديدات الإيرانية.

أما حافظي، فرأى أن الصين أثبتت صعوبة إجبارها على تنفيذ ما لا تريده، مضيفاً أنها تعتمد على تدفقات الطاقة من المضيق، ولكنها “قد تجد هذه الطاقة في أماكن أخرى، وتحديداً في روسيا”.

شكري رأى في القرار أيضاً تلميحاً إلى الصين، خصوصاً أنها عرضة بشدة لأي اضطرابات في المضيق، رغم امتلاكها لبعض وسائل الحماية، مثل المخزونات وخطوط الإمداد المتنوعة.

وأضاف أن تصاعد عدم الاستقرار قد يزيد التكاليف على بكين، ويحثها على لعب دور دبلوماسي أكثر فاعلية، وخصوصاً لجهة الضغط على إيران.

ولكن تسوكرمان لفتت إلى نقطة استراتيجية أكثر بعداً، إذ اعتبرت أن السيطرة على حركة النفط الإيراني من مضيق هرمز، سيقضي على الممارسات التي لجأت إليها الصين للحصول على النفط الإيراني المعاقب، ما يضطرها للتنافس على مصادر بديلة متاحة.

ورأت أن خطوة ترمب لا تهدف إلى الضغط على بكين للانخراط، بل عملياً “نزع ميزة الحياد عنها”. ولكنها أشارت أيضاً، إلى أن الصين وأميركا لديهما مصلحة مشتركة في إبقاء المضيق خارجاً عن الاضطرابات طويلة الأمد.

البعد المالي: حرب على الدولار والطاقة
اعتبر صافي غوري، المحامي وعضو نقابة المحامين وخريج جامعة الدفاع الوطني في باكستان، أن هذه الاستراتيجية لا تقتصر على البعد الأمني البحري، بل تمثل “حرباً مالية” للحفاظ على هيمنة الدولار كعملة احتياطية.

وأشار في تصريحات لـ”الشرق”، إلى أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط كعامل يخدم قطاع الطاقة المحلي، ويعزز موقع النفط الصخري والغاز الطبيعي المسال الأميركي في الأسواق العالمية.

ورأى أن واشنطن توظف اعتماد الصين على الطاقة كورقة ضغط، إلا أن هذه المقاربة تحمل تداعيات دبلوماسية معقدة، خصوصاً على دول مثل باكستان التي لعبت دور الوسيط، محذراً من أن استهداف سلاسل الإمداد أو الدول الداعمة قد يدفع المنطقة نحو إعادة تموضع استراتيجي أقرب إلى الصين.

حسابات الربح والخسارة
نظراً لأهمية هذا المضيق، فمن الصعب إيجاد دولة لن تتأثر بأي اضطراب يحدث فيه، أو لإمدادات الطاقة. ولكن هناك بعض الأطراف التي ستكون خاسرة بشكل صاف، في حال استمرار الأزمة.

وأشار غالفين لي كوان سيان إلى أن الاقتصاد العالمي سيكون “الخاسر الأكبر في المستقبل القريب”، وذلك بسبب تأثيرات أسعار الطاقة المرتفعة على النمو والتضخم العالميين.

من جهته، رأى حافظي أن كل زيادة مطولة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط، قد تخفض النشاط الاقتصادي العالمي بنسبة 0.4%، بينما قد تؤدي زيادة تتراوح بين 40 و60 دولارًا إلى انكماش يتراوح بين 1.6% و2.4%.

وهذا يعني أن اقتصادات الولايات المتحدة ومعظم الاتحاد الأوروبي، واليابان والمملكة المتحدة وكندا وغيرها، ستشهد ركوداً في هذا السيناريو.

ولفت أيضاً إلى أن دول الجنوب العالمي ستكون من أبرز المتأثرين أيضاً، خصوصاً بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة.

أما توميك، فلا يزال غير متأكد من الرابح من هذه المعادلة، باستثناء الشركات النفطية التي لا تتعامل مع المضيق.

ولكنه لفت أيضاً إلى أن روسيا قد تحصل على استفادة مع بروزها كمصدر موثوق للطاقة.

بشاراتي رأى أيضاً أن روسيا قد تحصل على استفادة من هذا الوضع، إذ ستشهد إيرادات إضافية ضخمة نتيجة ارتفاع الأسعار.

واللافت، أن جميع الخبراء الذين تحدثوا لـ”الشرق” اتفقوا على أن إيران والولايات المتحدة ستكونان الخاسر الأكبر خصوصاً على المدى القصير.

فأي زيادة في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، من شأنه أن يعمق الغضب بشأن تكاليف المعيشة داخل الشارع الأميركي، قبل أشهر قليلة من انطلاق الانتخابات النصفية.

القدرة على تحمل الألم
في هذا السياق، رأى جيمس كريستوفر، مؤسس ومدير شركة الاستشارات التي تحمل اسمه، وتتخذ في نيويورك مقراً، أن ترمب يحاول إنقاذ شعبيته من خلال اللجوء إلى التدخل العسكري، لفرض النتائج.

وأضاف في تصريح لـ”الشرق” أن الرئيس وأعضاء الحزب الجمهوري يدركون أن تراجع شعبيتهم يستدعي تصحيح المسار قبل الانتخابات، وهم الآن يُسوّقون لارتفاع أسعار النفط على أنه “ثمن زهيد” مقابل الازدهار الاقتصادي طويل الأمد.

وتابع أن الحزب الجمهوري لا يزال قادراً على تحقيق “مفاجأة أكتوبر” وهو مصطلح انتخابي أميركي يصف حدثاً مخططاً لتغيير الرأي العام، إلا أن حظوظ حصول ذلك “أقل بكثير مما يروج له ترمب”، مشيراً في الوقت ذاته إلى أسواق التوقعات، التي باتت تشير إلى إمكانية خسارة الجمهوريين للأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس على الأقل.

ورأى كريستوفر أن أسهل طريقة لتحقيق رؤية ترمب هي عزل النظام الإيراني اقتصادياً بشكل كامل، و”هو ما بدأ بالفعل جزئياً بتقييد قدرته على تحصيل رسوم المرور عند المضيق”.

مع ذلك، فإن القيادة الإيرانية أثبتت أنها لا مركزية، وحتى في حال إقصاء كبار قادتها، فإن ذلك “لا يُضعف قدرة النظام على إطالة أمد الجمود”، بالتالي فإن “كل شيء يتوقف على ما إذا كانت إيران مستعدة وقادرة على كبح جماح التداعيات الاقتصادية حتى نوفمبر”.

واعتبر أن الوضع الحالي أشبه بلعبة يتم فيها فرض أقصى قدر من الألم لرؤية من ينسحب أولاً

المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى