بلديات كسروان والمتن تبحث عن حلول دائرية لإدارة النفايات بالتعاون مع تجمّع Cluster QEEMA (التي أطلقته مؤسّسة Berytech ) والقطاع الخاص

عقد لقاء لبلديات كسروان والمتن للبحث عن حلول دائرية لإدارة النفايات بالتعاون مع تجمّع Cluster QEEMA التي أطلقته مؤسّسة Berytech بدعم من مملكة هولندا والقطاع الخاص.
بدأ اللقاء بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه افتتاح رسمي من السيدة إنغريد سلّوم، مديرة تجمّع «قيمة» في مؤسسة بيريتك، التي قدّمت لمحة عامة عن موضوع إدارة النفايات الصلبة وأبرز التحديات التي تواجه البلديات من حيث الكلفة، الضغط على المطامر، والقدرات المحدودة، مؤكّدة أنّ الهدف من هذا اللقاء هو بناء شراكات عملية بين البلديات والقطاع الخاص حول مقاربات الاقتصاد الدائري. وأوضحت سلّوم أنّ «قيمة» هو تجمّع يضم حالياً 13 شركة خاصة تعمل على مختلف مراحل السلسلة القيمية للنفايات، من الجهات المنتجة للنفايات إلى شركات الجمع والفرز والمعالجة وإعادة التدوير، بالإضافة إلى شركات تكنولوجية وجهات تعيد تحويل النفايات إلى مواد أولية لقطاعات صناعية متعدّدة في لبنان، بتمويل جزئي من المملكة الهولندية وتنفيذ من بيريتك، وبالشراكة مع الجامعات والقطاع العام والجهات المانحة.
وشدّدت سلّوم على أنّ تجمّع «قيمة» يشكّل منصّة تعاونية ، تهدف إلى تمكين البلديات والصناعات والجهات المعنية للانتقال من نمط إدارة النفايات التقليدي إلى نماذج دائرية عملية تخفّف التكاليف وتنسجم مع السياسات العامة، بحيث يعمل التجمّع كـ«جسر» يسهّل التشبيك وبناء الحلول ولا يفرض نموذجاً واحداً على البلديات. وقد تولّى إدارة الجلسة الخبير البيئي أستاذ رالف سباع، الذي أشار إلى التحوّل الجاري من إدارة مركزية للنفايات إلى نماذج لا مركزية تتحمّل فيها البلديات مسؤولية أكبر، بالتوازي مع تعزيز دور المواطن، معتبراً أنّ هذا اللقاء فرصة لمناقشة أدوار كلٍّ من القطاعين العام والخاص في هذا التحوّل.
معلوف
في الجلسة الأولى، قدّم القاضي إيلي معلوف، الحائز على دكتوراه في القانون، عرضاً حول القانون رقم 80 الصادر في 10/10/2018، موضحاً أنّ هذا القانون يكرّس مبدأ الإدارة المتكاملة للنفايات المنزلية الصلبة ويحدّد بوضوح دور الإدارات المحلية أي البلديات واتحادات البلديات في مختلف مراحل الإدارة، مع فتح الباب أمام إشراك القطاع الخاص عبر التلزيم وفق قانون الشراء العام، مع بقاء دور للدولة من خلال الاستراتيجية الوطنية التي تقع مسؤولية إعدادها على وزارة البيئة. وتطرّق معلوف إلى تحدّي التمويل البلدي، موضحاً أنّ الاعتماد الحالي على الرسم على القيمة التأجيرية غير كافٍ، وأنّ تعدّد أساليب التخمين خلق فوضى، قبل أن يشير إلى مسار تشريعي جديد ضمن الموازنة يهدف إلى زيادة موارد البلديات وتمكينها مالياً لإدارة النفايات، بما في ذلك اقتراحات مرتبطة بالرسوم الجمركية على بعض المواد لتخصيص جزء منها لتمويل إدارة النفايات الصلبة.
خلال فقرة الأسئلة والأجوبة، طرحت البلديات سلسلة إشكاليات عملية تتعلّق بأشكال الشراكة القانونية مع الشركات الخاصة (عقود الشراكة، التلزيم، وآليات الجباية)، وبالسؤال حول قانونية تحصيل الرسوم عبر القطاع الخاص، والحاجة إلى تراخيص لمحطات الفرز، إضافةً إلى إشكاليات العلاقة الحالية مع مقدّمي الخدمات المركزيين مثل رامكو، وسبل تعزيز الشفافية في احتساب الكلفة وحصة كل بلدية من الصندوق البلدي المستقل. كما طُرحت تساؤلات حول مدى كفاية الرسوم المنزلية المقترحة لتغطية تكاليف الكنس والجمع والمعالجة، وحول دور وزارة الداخلية في بعض القرارات البلدية، ما عكس الحاجة إلى أطر أوضح للحَوْكمة والتمويل على المستوى المحلي.
ابي شاكر
في مداخلته، عرض الخبير زياد أبي شاكر التقاء «الفرصة» و«المعضلة» في اللحظة الحالية: من جهة، يتيح القانون 80 وإعادة النظر في القيمة التأجيرية إمكانات فعلية لزيادة مداخيل البلديات كما حصل في تجربة بلدية بيت مري؛ ومن جهة أخرى، يفرض قرار إقفال مطمر الجديدة خلال أقل من سنة واقعاً ضاغطاً على بلديات كسروان والمتن يتطلّب خطة طارئة كمرحلة انتقالية نحو حلول مستدامة غير مركزية. وانتقد أبي شاكر منطق إدارة كميات ضخمة من النفايات بطريقة مركزية، موضحاً أنّ الكميات الحالية تتجاوز ما يمكن أن يستوعبه أي معمل واحد، وأنّ الخطط المطروحة لا تزال غير كافية من حيث معالجة التسميد، كلفة النقل، وبقاء كميات كبيرة للطمر، ما يستدعي إعادة تصميم المنظومة بالكامل على أسس دائرية.
واقترح أبي شاكر خارطة طريق عملية للبلديات تبدأ بتحديد مواقع مناسبة لمحطات معالجة محلية وفق دراسات أثر بيئي، وتعزيز التعاون بين البلديات من خلال تقاسم الأدوار (أرض من بلدية، مبنى من أخرى، شراكات مع شركات متخصّصة بدراسات الأثر البيئي)، مع اعتماد فرز من المصدر بنظام بسيط (كيس للمواد العضوية وكيس للمواد القابلة لإعادة التدوير) يواكبه توعية مجتمعية. وأوضح أنّ الإدارة الدائرية المتكاملة تتطلّب أن تملك البلدية الأرض والمبنى، وأن يتولى مشغّل من القطاع الخاص تجهيز المعمل وتحمل تكاليف التشغيل مقابل بدل عن الطن الوارد، لأن عائدات بيع المواد المعاد تدويرها وحدها لا تكفي لتغطية كلفة الإنشاء والتشغيل.
نقاشات
خلال النقاش، طرحت بلديات من كسروان والمتن ومن اتحادات أخرى أسئلة حول كيفية البدء عملياً (التراخيص الصناعية، دعوات تقديم العروض)، وأفضل مزيج بين الفرز من المصدر والفرز تحت الهنغار، وإمكانية تعميم نماذج تمويلية تعتمد مساهمات شهرية عادلة من الأسر بالتوازي مع شراكات مع مانحين. كما برزت مخاوف من تفتيت المشهد إلى مئات مراكز المعالجة الصغيرة مقابل ضرورة الخروج من منطق آلاف المكبّات العشوائية، وجرى التأكيد من ممثّلين عن القطاعين العام والخاص على أنّ «صناعة النفايات» قادرة على خلق دخل وفرص عمل متى وُضعت في إطار قانوني واضح وضمن شراكات متوازنة مع المجتمع المحلي.
وفي الجزء الأخير، عُرضت أربع تجارب ميدانية لبلديات اعتمدت نماذج دائرية ولا مركزية: تجربة معمل BiClean في بكفيا بالشراكة مع Arcenciel، تجربة اتحاد بلديات رأس المتن مع محطة معالجة النفايات العضوية بدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قدمها Compost Baladi،تجربة معمل غوسطا مع Phoenix Machinery، وتجربة بيت مري القائمة على مبدأ «صفر نفايات» تقريباً، حيث تم إبراز عناصر النجاح كالتزام البلدية، الفرز من المصدر، التوعية في المدارس والمجتمع، وتقاسم واضح للأدوار مع القطاع الخاص. وبيّنت هذه القصص كيف يمكن تقليص النفايات المرسلة إلى المطامر إلى نسب محدودة عبر التسميد وإعادة التدوير، مع توجيه جزء من الكمبوست إلى المزارعين وإعادة إدخال المواد القابلة للتدوير في سلاسل صناعية محلية، مع التأكيد على أهمية تأمين الكهرباء المستقرة وحسن التخطيط للكلفة.
في ختام اللقاء، شدّد مقدّم الجلسة على أهمية دور القطاع الخاص في دعم البلديات ضمن إطار قانوني وشفاف، مذكّراً بأنّ في لبنان أكثر من مئة شركة تعمل في مجال النفايات ويمكن أن تكون جزءاً من الحل ضمن نموذج شراكة عام خاص متوازن. وأعادت إنغريد سلّوم التأكيد على ضرورة البدء بالعمل فوراً على بناء شراكات عملية بين البلديات وتجمّع «قيمة» والجامعات والجهات المعنية، داعية البلديات إلى تعبئة استمارة اهتمام (Expression of Interest) لتمكين الفريق من متابعة فردية مع كل بلدية وتطوير مسارات تعاون محدّدة وفق احتياجاتها وإمكاناتها.
ما هو تجمع قيمة؟
أطلقت مؤسّسة Berytech تجمّع Cluster QEEMA بدعم من مملكة هولندا الذي يهدف إلى تحويل النفايات من خلال تعزيز التعاون بين الصناعات والبلديات والمبتكِرين لبناء اقتصاد دائري ناجح في استخدام الموارد.
مفهوم التجمعات أوCluster يضمّ شركات مختلفة تتشارك وتتساعد ضمن سلسلة القيمة الخاصة بقطاع معيّن. ونظرًا لما تشهده العديد من المناطق من تزايد ملحوظ في حجم النفايات وتراجع في كفاءة إدارتها، وما يترتب على ذلك من آثار بيئيّة وصحيّة واقتصادية خطيرة، وتفاقم الضغط على مكبّات النفايات وارتفاع تكاليف المعالجة، أصبح من الضروري البحث عن حلول مستدامة وفعّالة لإدارة النفايات. وفي هذا السياق، تتزايد الحاجة إلى تعزيز التعاون بين البلديات والجهات المعنيّة لاعتماد أساليب حديثة في الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، وتقليل النفايات، وتطوير البنية التحتيّة اللازمة.







