شهر أيلول مفصلي في تاريخ لبنان… والإقتصاد رهينة العوامل السياسية

جاء في جريدة ” الديار ” : الإقتصاد رهينة العوامل السياسية
«لا إنتخابات نيابية مبكرة لأنها تُصبح إنتخابات إنفعالية لا تُمثّل الشعب بصورة حقيقية»، هذا ما قاله رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في معرض مقابلته مع التلفزيون الفرنسي. هذا التصريح الذي تتوافق عليه القوى السياسية التي تُشكّل الأغلبية النيابية، يُشكّل عقدة جديدة أمام حلحلة الوضع السياسي المتأزم بحكم أن هذا الأمر هو مطلب قسم من اللبنانيين. الرئيس عون وفي معرض جوابه عن الحكومة الجديدة قال إنه بدأ فورًا مشارواته لإعتماد أكثرية مُعينة كي تبدأ الإستشارات مع النواب.
إلا أن المُعطيات على الأرض تُشير أن لا إستشارات نيابية قبل أيلول بحكم أن تجربة شبيهة بحكومة الرئيس حسان دياب، ستأتي بنفس النتائج ولن يكون هناك تعاون بين المجتمع الدولي وبين هذه الحكومة. وبالتالي فإن اللبنانيين المنقسمين على كل شيء يسعون إلى ربح الوقت وينتظرون عودة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أيلول لمناسبة ذكرى مئوية لبنان الكبير لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور من طروحات وإقتراحات لا تتعلّق بالضرورة بإسم رئيس الحكومة بقدر ما لها علاقة بحيادية الحكومة.
عمليًا هناك أربعة سيناريوهات مطروحة:
أولا – حكومة على شكل حكومة الكاظمي، وهو ما يحتاج إلى ضوابط لكي لا يكون هناك مواجهات غير محمودة؛
ثانيًا – حكومة على شكل حكومة دياب، وهي حكومة ستفشل حتماً نظرًا إلى عدم تعاون المُجتمع الدولي معها؛
ثالثًا – حكومة تكنوقراط حقيقية تحت مظلة دولية مما سيفتح الباب أمام عودة الإستثمارات، لكن هذا الأمر يواجه بمعارضة داخلية شرسة خوفًا من أثمان سياسية؛
رابعاً – البقاء على حكومة تصريف الأعمال حتى إنتهاء الإستحقاقات الكبيرة مثل الإنتخابات الرئاسية في الولايات المُتحدة الأميركية.
واقعيًا الأمور مُعقدّة نظرًا إلى تداخل عوامل داخلية وخارجية عدّة في اللعبة السياسية:
أولا – لبنانيًا ، هناك مُشكلة إقتصادية ناتجة عن الأزمة الإقتصادية – المالية – النقدية القائمة منذ أيلول الماضي، تفشي وباء كورونا وإنفجار مرفأ بيروت، حيث أصبح معها (أي المُشكلة الإقتصادية) لبنان غير قادر على كفاية نفسه غذائيًا، وصحيًا، ونفطيًا وبالتالي أصبحت المساعدات الإنسانية التي يُقدّمها المُجتمع الدولي أسياسية لتفادي كارثة إجتماعية مما يعني ضغطاً إقتصادياً على لبنان يُمكن إستخدامه سياسيًا.
ثانيًا – الصراع الأميركي – الإيراني والذي سينتهي حكمًا بإعادة توقيع إتفاق نووي جديد سواء تمّت إعادة إنتخاب ترامب أو تمّ إنتخاب بايدن. إلا أن التصعيد الحالي والذي ينعكس على الساحة اللبنانية بشكل واضح، يُمكن وضعه في خانة تحسين شروط التفاوض بين الطرفين. هذا التصعيد قد يحول دون تشكيل حكومة في لبنان في الفترة المُقبلة وبالتالي يتوجّب إنتظار تغيرات إقليمية أو دولية لتشكيل هذه الحكومة.
ثالثًا – صفقة القرن والتي بدأ تنفيذها فعليًا مع توقيع الإمارات العربية المُتحدة مذكرة تفاهم مع إسرائيل. هذه الصفقة تحوي في شقّ منها على الضغط على لبنان لتطبيق القرارات الدولية وبالتالي يأتي قرار المحكمة الدولية غدًا ليزيد من الضغط على حزب الله ومعه على مسار تشكيل الحكومة.
رابعًا – لا يُمكن تجاهل البوارج الراسية مُقابل الشواطئ اللبنانية والتي على الرغم من طابعها الإنساني، إلا أنها تُشكّل مصدر قلق خصوصًا أنها مُتعدّدة الجنسيات مما يطرح إحتمال وجود إتفاق دولي على مراقبة الحدود البحرية والبرية والجوية اللبنانية ضمن سيناريو وضع لبنان تحت الفصل السابع (مقالنا في الديار عدد 11214 تاريخ 10 آب 2020). هذا الأمر يُشكّل ضغطاً إضافياً على المشهد السياسي الداخلي خصوصًا من ناحية تصلّب بعض المواقف الداخلية وبالتالي التأخير بتشكيل الحكومة.
خامسًا – الموقف الإيراني المُتمثلّ بالدعم المُطلق لحزب الله من قبل الجمهورية الإسلامية في إيران والتي ترى في البوارج الغربية الراسية في لبنان تهديدًا واضحًا للبنان والمقاومة وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الإيرانية جواد ظريف نهار الجمعة الماضي على إثر زيارته بيروت. بالطبع هذا الأمر يُشكّل ضغطًا إضافيًا على تشكيل الحكومة.
سادسًا – الصراع التركي – الخليجي والذي بدأت ملامحة بالظهور داخليًا في لبنان مع إستعداد تركيا للمساهمة في الإعمار خصوصًا الأماكن الدينية وطرحها إعطاء الجنسية التركية للبنانيين من أصل تركي. هذا الواقع وإن كان محدود التداعيات، إلا أنه يُشكّل حافزاً إضافياً لوضع عراقيل من قبل الأفرقاء الداخليين من ناحية تشكيل الحكومة.
عمليًا ومع دخول لاعبين جدد على الساحة الداخلية، أصبح لبنان مطوّقاً وبالتالي فإن تدويل القضية اللبنانية أصبح أمراً واقعا لا يُمكن نكرانه على الرغم من تصريحات القوى السياسية بأن تشكيل الحكومة هو شأن لبناني محض.



