أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

“المال” تلغي موادّ “محشورة حشراً” في موازنة 2024: ليست صكاً للتشريع! (النهار ٨ تشرين الثاني)

يحاول من في السلطة ومواقع القرار الإبقاء على عجلة الدولة “شغالة” بما أمكن، وبما توفره لهم ولها الظروف المحلية، والشواغر في موقعي رئاسة الجمهورية ومصرف لبنان، وكذلك انعكاسات حرب غزة، وتسخين الحدود الجنوبية. وبناءً على ذلك، سعت الحكومة لإحالة مشروع قانون موازنة 2024 الى المجلس النيابي ضمن المهلة الدستورية. وفيما تلقفته لجنة المال والموازنة، باشرت فوراً مسار الدرس والتمحيص فيه، وتفنيد المواد والأبواب، ووضع الملاحظات وإلغاء غير المستحب أو المخالف للقوانين.

295 تريليون ليرة أي ما يعادل 3.2 مليارات دولار على سعر صرف 89 ألف ليرة للدولار الواحد، هو مجموع الموازنة، ما يقرب من 90% نفقات تشغيلية للدولة، من رواتب وأجور وفواتير صحية وأكلاف صيانة، فيما العشرة الباقية، مصاريف استثمارية (6%) وخلافه.

دراسة بنود الموازنة أصبحت في منتصف الطريق، ولجنة المال والموازنة تعد بتسريع العمل للانتهاء بأسرع وقت ممكن، فيما الجميع في سباق مع الوقت و”المفاجآت” الممكنة الحدوث، للوصول الى موازنة تراعي الواقع الاقتصادي المزري، وحاجات الدولة من جهة، وقدرة المواطن المنهوبة ودائعه من جهة أخرى، على تحمّل المزيد من الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة
وتعدد توصيف سعر الصرف في الموازنة، بين سعر صيرفة، وسعر رسمي، وسعر يحدده مصرف لبنان، يؤسس لبلبلة في فهم كيفية احتساب بعض الضرائب والرسوم، ويبني كمائن للمكلفين، ومنافذ قد يستغلها المحصّلون للتمادي في الرشوة والفساد وإهدار المال العام.
العجز المتوقع ليس كبيراً في النص المكتوب، لكن مسار البلاد الاقتصادي والسياسي، والاهتراء الإداري والإقفال شبه التام دون أفق جدي للمعالجة، لدوائر تبيض ذهباً للخزينة العامة، مثل “النافعة” والدوائر العقارية، لا يشير إلى تطابق مستقبلي بين أرقام القانون العتيد وواقع الجباية والواردات المتوقعين، ما يشير الى توسع حتمي لفجوة العجز. دون نسيان التراجع الحتمي لواردات المطار والمرفأ، وضمور موسم السياحة الشتوية، وربما موسم الصيف القادم إذا تمددت نيران غزة إلينا لا سمح الله، ومعها الارتفاع المطرد في فاتورتي الاستشفاء وخطة الطوارئ.

تبقى المعضلة الأكبر في رأي الكثيرين هي سيطرة الـ”كاش” على الاقتصاد، مع ما يعطي ذلك من قدرة وسهولة للمكلف لممارسة التهرّب الضريبي وإخفاء المداخيل والأرباح، بما سيعوق حتماً تحقيق التوازن العلمي والجدي في الأرقام وفي أهداف ووظيفة الموازنة.
ألغت لجنة المال والموازنة 4 مواد ضريبية في مشروع قانون موازنة 2024 وهي المواد 16 و17 و20 و21، فيما يوضح النائب إبراهيم كنعان لـ”النهار” أن “اللجنة لم تلغ المواد التي تتعلق بالضرائب، بل ألغينا المواد التي لا علاقة لها بالموازنة “المحشورة حشراً”، إذ بحسب قانون المحاسبة العمومية يجب حصر الموازنة بالنفقات والإيرادات، فيما المادتان 16 و17 مثلاً لهما علاقة بآلية الاستملاك ولا علاقة لهما بإيرادات الخزينة. أما المادة 20 التي تتعلق باستحداث رسم بدل خدمات سريعة وطارئة لدى الإدارات العامة يُستوفى من الراغبين في إنجاز معاملاتهم بسرعة، فرأت فيه لجنة المال تشريع رشوة، وليس من المؤكد أن المواطن سيحصل على الخدمة، فيما المادة 21 التي تجيز للمكلفين بالضرائب تسديد الضرائب من حساباتهم المصرفية بالعملة الأجنبية عبر احتساب قيمتها على أساس %50 من سعر صرف الدولار الاميركي، وفق المنصة المعتمدة من مصرف لبنان، فهو بمثابة تشريع للهيركات، وهذا الأمر ليس من مهمتنا”.

كذلك ناقشت لجنة المال سعر الصرف وتوحيده في الموازنة، إذ يؤكد كنعان أن “توحيد سعر الصرف ليس فقط على والضرائب والرسوم، بل أيضاً يجب أن يشمل النفقات والإيرادات. فنفقات الدولة ورواتب الموظفين لا تزال على سعر صرف 15 ألفاً، كما أن بعض تعاميم مصرف لبنان لا تزال أيضاً على سعر صرف 15 ألفاً”.

وإذ أكد أن “نسبة الاستثمار في هذه الموازنة لا تتعدى الـ6%، وتالياً هذا يعني أن لا رؤية اقتصادية في الموازنة، بل ضرائب ورسوم فقط”، قال “ما تقوم به وزارة المال هو بتعديل الموازنة، إذ تلغي بعض المواد التي فيها “شطح”، وتقول للحكومة إن الموازنة ليست صكاً للتشريع، ويجب حصرها بالإيرادات والنفقات، مع أهمية أن تكون لها رؤية اقتصادية”.

متى تنهي اللجنة مناقشة مشروع الموازنة وإجراء التعديلات عليه؟ يقول كنعان “حالياً نعقد جلستين في الأسبوع، ويمكن أن نعقد 3 جلسات أسبوعياً حسب الظروف التي يمكن أن تطرأ. درسنا حتى الآن 60 مادة، أي نصفها تقريباً. وحسب الدستور لا يزال لدينا وقت حتى آخر كانون الثاني، ولكن يمكن أن ننهي مناقشتها قبل هذا التاريخ، وتالياً تصبح مسؤولية مجلس النواب الاجتماع وإقرارها”.

وفق الورقة التي أنجزت بالتعاون بين المحامي كريم ضاهر والمفكرة القانونية وALDIC ومبادرة سياسة الغد وكلنا إرادة، فإن تقديم المشروع قبل تشرين الأول يعني إمكان إقرار الموازنة بمرسوم إذا فشل البرلمان في دراستها في خلال المدة المحددة (المادة 86 من الدستور وبالفعل، تنوي حكومة تصريف الأعمال المضي بهذا السيناريو، لأن الإيرادات المتوقعة أساسية لتمويل النفقات المقدّرة بـ3.3 مليارات دولار وفق سعر صرف 89 ألف ليرة لبنانية لكل دولار.

بيد أن كنعان يوضح أن “الحكومة تقول إنها أرسلت مشروع الموازنة وفق الوقت المحدد، ولكن علينا التأكد مما إن قرار الإحالة للموازنة شمل الموازنة المدموجة (مشروع موزانتي 2023 و2024) تحت عنوان مشروع موزانة الـ2024، أم هو لحظ مشروع موازنة الـ2024 (القديمة)، التي لم تصل الى مجلس النواب، وتالياً لا يمكن للحكومة إصدارها بمرسوم”.

حلول مجزأة لزيادة الإيرادات!

بالجوهر، تؤكد الورقة أن الموازنة لا تقترح أي إصلاحات لمعالجة القضايا الرئيسية التي تحدّ من الحيّز المالي، بما فيه الحاجة الملحة لإعادة هيكلة الديون، وإعادة هيكلة القطاع العام، وإصلاح الشركات المملوكة للدولة، ووضع نظام ضريبي جديد. وبدلاً من ذلك، تلجأ إلى حلول سريعة مجزأة لزيادة الإيرادات، فيما هي تديم سياسة مالية تنازلية. وفيما يعد التعديل الضريبي ضرورياً، فإن العبء المالي الإضافي المقترح المفروض على دافعي الضرائب والخالي من إصلاحات ضريبية، ليس عادلاً ولا محسوباً بشكل جيد فهو يؤثر بنحو غير متناسب على شرائح الدخل المنخفضة والمتوسطة ويخنق الاقتصاد الرسمي المتعثر بالأساس، فيما لا يُبذل أي جهد لمكافحة التهرب والعمالة غير الرسمية.

وتشير الورقة الى عدد من المواد الرئيسة التي برأيها “تشعل الأضواء الحمراء”. من هذه المواد 20 و21 اللتان ألغتهما لجنة المال والموازنة، إضافة الى المادة 22 التي تتعلق بدولرة الضرائب، إذ ثمة استثناءات عدة لمبدأ دفع الضرائب بالليرة اللبنانية. ويعود هذا القرار إلى حاجة الخزينة إلى الدولارات لتمويل نفقاتها من العملات الأجنبية في اقتصاد يعتمد على الدولار بشكل متزايد. ومع ذلك، إن دولرة الضرائب بشكل كامل سوف تؤدي إلى انخفاض الطلب على الليرة اللبنانية في السوق، خصوصاً أن الطلب الأساسي عليها الآن ينبع من حاجة الناس إلى دفع الضرائب وفواتير مؤسسة كهرباء بالعملة المحلية. وهذا ما سيؤدي إلى تراجع التعامل بالليرة ومزيد من الانخفاض في قيمتها، ولا سيما في ظل غياب سياسة نقدية شاملة.

وتشير الورقة الى المادة 25 التي تتعلق باحتساب الضريبة الدخل على الأجور بالدولار، إذ تُحوَّل الرواتب والأجور بالدولار الأميركي إلى الليرة اللبنانية بسعر مخفوض وفقاً لأحكام المادة 35 من القانون رقم 10 الصادر في 2022/11/15. ويتم بعد ذلك تطبيق الضريبة وفق جدول منقّح يؤدّي إلى زيادة العبء الضريبي على الموظفين في القطاع الخاص الرسمي. ويتم بعد ذلك تحويل الضريبة المحتسبة إلى العملة الأجنبية بناءً على سعر منصة مصرف لبنان من ناحية، ويُعد هذا حساباً تعسفياً لا يعكس سعر الصرف الحقيقي. ومن ناحية أخرى، القضية الأساسية هي التفاوت بين من يتقاضون أجورهم بالليرة ومن يتقاضون أجورهم بالدولار، إضافة إلى العبء الزائد على الأجراء من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. من هنا ضرورة توحيد السياسات الضريبية وأسعار الصرف.

وتشير الورقة الى المواد 64 و65 و69، إذ تعيد تقييم الشرائح الضريبية بشكل سيئ بغية ضبط التضخم إلى زيادة العبء الضريبي على فئات دخل معينة، وتالياً زيادة احتمالات التهرب الضريبي وتشجيعه. على سبيل المثال، تتكوّن ضريبة الدخل على الرواتب والأجور ومعاشات التقاعد وفق الآتي: ضريبة بنسبة 2% على صافي الدخل الذي لا يتجاوز 70 مليون ليرة لبنانية (786 دولاراً) وتصل إلى 25% على صافي الدخل الخاضع للضريبة الذي يتجاوز 2.44 مليار ليرة لبنانية (27,415 دولاراً). وهذا يعني وفق معدّي الورقة أن “الحد الضريبي انخفض إلى أقل من 790 دولاراً، فيما كان عند 4000 دولار في موازنة 2019. بالإضافة إلى ذلك، بات معدل الضريبة على الشريحة العليا (25) يطبق على دخل يعادل 27,415 دولاراً، بعدما كان يطبق سابقاً على دخل يعادل 150,000 دولار”.

وفي ما يتعلق بالمادة 111، فقد خُفض سقف ضريبة القيمة المضافة إلى ثلث مستواه السابق، إذ حدد السقف الجديد للالتزام بضريبة القيمة المضافة بنحو 2 مليار ليرة، وهو ما يعادل مبيعات شهرية تزيد قليلاً عن ألفي دولار. قبل الأزمة، تم تحديدها بمبلغ 100 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل 5555 دولاراً شهرياً، علماً بأن خفض السقف قد يؤدي إلى مشكلات عملية كبيرة مع الإدارة الضريبية وقد ينتج عنه مزيد من التهرب الضريبي وتغذية الاقتصاد النقدي. بدلاً من ذلك، قد يؤثر التنفيذ الفعال للقانون على القدرة التنافسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

موازنة المواطنة والمواطن (معهد باسل فيحان المالي)

 

 

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى