هل يعدّل “حزب الله” من أدائه الميداني بعد مجزرة المستشفى؟ (النهار ١٩ تشرين الأول)

الأكيد أن “حزب الله” قد أعدّ العدة لمشاركة فاعلة في ورشة التحشيد والتعبئة الدائرة على خلفية المجزرة – الفاجعة التي ارتكبها الإسرائيليون عصر أول من أمس عبر قصفهم للمستشفى المعمداني في غزة الذي خلف وفق أغلب التقديرات أكثر من 500 ضحية بين قتيل ومصاب. والثابت أن المشاركة تلك بدأت من خلال وقفات في طول البلاد وعرضها وفيض من مواقف الدعم والإسناد، إلى محطات وأشكال أخرى.
فهول الجريمة التي ما زال دخان حرائقها يتصاعد هو لا ريب محطة أساسية لتعزيز منطق الحزب وخطابه السياسي القائم على مبدأ أساس في خطاب “محور المقاومة”، وهو أن “عدواً بهذه الروح العدوانية والهمجية لا يفهم إلا بلغة التخاطب بالنار”. لكن هذا الفعل المتوقع في هذه اللحظة لا يعفي الحزب من مسؤولية الإجابة والرد على العديد من التساؤلات الملحّة التي توجّه إليه سواء من خارجه الكاره والمحبّذ والمتحدّي أو من داخل قاعدته الجماهيرية التي بدأ القلق والسأم يساورها. وبمعنى آخر زاد الحدث الأخير المدوّي في غزة من منسوب التحديات التي تتراكم يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، في وجه الحزب بعدما تصدّى لمهمّة كبرى مكلفة وشاقة وبعدما وضع نفسه في موضع الرديف المساند لحركة “حماس” التي يجتمع معها تحت لواء “محور الممانعة” خصوصاً بعدما أطلقت هذه الحركة عملية “طوفان القدس” معلنة اجتياحها الكثير من الخطوط الحمر التي بدت لعقود خلت عصيّة على الخرق.
وعلى هذا الأساس فتح الحزب كما هو معلوم أبواب المواجهات على الحدود الجنوبية أمام الكثير من الاحتمالات المبنيّة على وعد بالعديد من المفاجآت في الأيام العشرة الأولى التي تلت انطلاق “طوفان القدس” ونجح الحزب في ابتداع نوع من المنازلات مع القوات الإسرائيلية، حيث كان بإمكانه عبرها القول إنها وإن لم تكن تفي بالوعود التي أطلقها سابقاً حيال التحضير والاستعداد لاجتياح برّي لمنطقة الجليل الأعلى المحتل، لكن كان بإمكانه أن يتغذى على تقديرات أطلقتها القيادة العسكرية الإسرائيلية وفحواها أن فعل الحزب اليومي على الحدود قد أفلح في تجميد أكثر من ثلث القوة العسكرية الإسرائيلية على الجبهة الشمالية، ما خفّف من منسوب الضغوط على غزة وما تحتويه من جمهور وفصائل وأجبر الاحتلال على التفكير ألف مرة قبل الشروع بالتفكير في اجتياح بري للقطاع وهو الخيار الذي لوّح به مراراً قبل نحو أسبوع وقصر في أن يكون عند تهديده.
واستطراداً أرسى الحزب معادلة مشاغلة عسكرية يومية أثبتت أنه فعلاً مع “حماس” ومن سار معها في درب المواجهة وأنه في الوقت عينه لم يدع للاحتلال مبرراً لتوسيع دائرة الرد على نحو يفتح أبواب المعركة اللامحدودة زمناً واتساعاً، فظلّت اللعبة ضمن قواعدها التقليدية رغم أن الحزب نجح في رفع وتيرة المشاغلة نوعاً وكمّاً مدخلاً فيها العنصر الفلسطيني ليعطيها صورة أشمل.
ومع ذلك يبقى السؤال: هل هذا النهج الذي اتبعه الحزب خلال الأيام العشرة الخوالي وكلّف الحزب أكثر من 16 عنصراً ما زال صالحاً للاتباع في مرحلة ما بعد مجزرة المستشفى المعمداني وأن الحزب سيعود إليه ثانية؟
ما يزيد في مشروعية السؤال هو أن الحزب سبق أن جاهر بعد ساعات من انطلاق حماس في عمليتها بموقف جوهره رهن مسألة دخوله في المواجهة من الحدود الجنوبية بمسار التطورات الميدانية في غزة، وتحديداً بمسألة هل ينفذ العدو تهديده ووعيده بهجوم بري على غزة يجتاح فيه القطاع المحرر منذ نحو عشرين عاماً وينجح عبره في سحق حماس كما توعّد قادته؟
ثمة من يرى أن الإسرائيلي لم يعد محتاجاً بالأصل للإقدام على اجتياح بري لغزة، فالمدينة استحالت بمعظمها إلى أنقاض قد لا تصلح للحياة بعدما سُوّي أكثر من نصف مبانيها بالأرض واضطر ما يقرب من نصف قاطنيها للنزوح في تيه ثالث، وبذا فقدت المدينة وقطاعها مزية أنها أكبر تجمّع للاجئين في أصغر بقعة جغرافية من معالمها أنها استعصت طوال سنوات تحررها على الاحتلال وخاضت معه ثماني حروب متتالية. ويصعب كثيراً لا بل يستحيل الحصول على جواب جليّ من الحزب عن مثل هذا التساؤل الذي يطرحه عليه كثر منذ اليوم الأول للمواجهات. فالحزب معتصم بالصمت و”الغموض البنّاء” معتبراً ذلك جزءاً من إدارة المواجهة وجزءاً أساسياً من عناصر قوته.
فضلاً عن ذلك، فإن الحزب يرد بأنه اعتاد منذ انطلاقته الأولى ألّا يقدم ولا يحجم على خطوة أو فعل تحت وطاة أي ضغوط أو تساؤلات توجّه إليه من هذه الجهة أو تلك، أو أن يُستدرج إلى دور رد الفعل. ومع ذلك فإن بعض من هم على صلة بعقول الحزب الاستراتيجية يسمحون لأنفسهم بتعميم تصوّر تقريبي لما يمكن أن يكون عليه سلوك الحزب بعد مجزرة المستشفى وهو ينهض على الأسس الآتية:
– أن الحزب ما زال يحافظ على دور المدافع لا المهاجم وأنه استطراداً لم يتجاوز بعد حدود البلاد.
– أن الحزب من هذا الموقع بالذات (الدفاعي) يمارس ضغوطاً عسكرية على الاحتلال الذي صار عنده مكبّل اليدين وعاجزاً عن المبادرة، لأنه صار خاضعاً للنصيحة الأميركية التي أملت عليه ألّا يوسّع نطاق المواجهة على نحو يبرر للحزب بالذات دخول المعركة لأن من شأن ذلك أن يعدّل الاتجاهات ويبدّل الحسابات.
– من نافل القول أن الحزب على تنسيق عبر إدارة مشتركة مع “حماس” والفصائل الأخرى. وعلى أساس هذا يرسم خطواته. وهو يرى أن حديث القيادي في الحركة خالد مشعل الذي رأى أن كل فعل الحزب العسكري هو دون المطلوب وغير كافٍ، هو نوع من مزايدة غير المطلعين على بواطن الأمور لأن الأمر تقني بحت تجهل تفاصيله الكثير من القيادات السياسية العاملة عند “حماس” فكيف بالقيادات “الشرفية” البعيدة عن دائرة القرارات الكبرى.
– أن الإسرائيلي هو في ذروة الارتباك بدليل عودته إلى الحديث عن “أيام قتالية” علماً بأنه يعرف أن لا وجود لهذا المصطلح في القاموس العسكري…
– أن الحزب يرى نفسه غير معنيّ بالإجابة عن السؤال المطروح عما إن كان سيعيد بعد مجزرة المستشفى النظر في مواقفه والأهم في خطواته العملانية من الآن فصاعداً، لأنه شريك مباشر في المنازلة الدائرة، لذا يُفترض أن يكون الشركاء معاً يحسبون الحساب لأيّ مستجد وطارئ، إذ لا يمكن في معركة على هذا القدر العالي من الجسامة أن تترك فيها الأمور للمصادفات وردات الفعل.
وفي السياق عينه، ثمة معلومات تتحدث عن أن المجزرة قد أجّلت فعلاً عسكرياً كان يحضّر له الحزب في ليل المجزرة خصوصاً أنه كان قد سخّن الجبهة الجنوبية على نحو غير مسبوق، ولا سيما بعد كلام المرشد الإيراني، والمسؤولين الإيرانيين قبله.



