أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

“مقتنصو الفرص” يضغطون على “المركزي” والنوّاب للصرف من دون ضوابط (النهار ١٨ تشرين الأول)

برغم الغضب الشعبي الذي ساد البلاد منذ 4 سنوات تحديداً، لا تزال تسود في عقل السلطة والحاكمين بأمر الدولة، ثقافة الاتكال على مصرف لبنان وبقايا أموال المودعين لديه.
يعيش هؤلاء ومستشاروهم ومن يدور في أفلاكهم، على أحلام استعادة السياسات المالية السابقة التي مارسوها، وجنوا عبرها لجيوبهم التخمة، وللبلاد الدمار والخراب الاجتماعي والاقتصادي.

في غمرة الخوف من دخول الحرب، ثمة في الحكومة من يريد أن يضع مصرف لبنان، رهن مخططاته الإعمارية مسبقاً إذا ما حصلت الحرب. ويوجّه انتقاداته لسياسات مصرف لبنان الجديدة، غير عابئ بملاءة الدولة، وإمكانيات المركزي، وانعكاس ذلك على استقرار سعر صرف الليرة.

عندما قبض الحاكم بالإنابة وسيم منصوري على عنق الدولار، وأقعده تحت عتبة التسعين ألف ليرة، وأقفل مزراب “صيرفة”، وحصر الدعم بأدوية الأمراض المستعصية، كان يعرف يقيناً أنه يقطع بـ”رزقة” تجار الدولار و”صيرفة” ومهرّبي العملة والبضائع، ورعاتهم في السلطة. وعلى الرغم من ذلك، لم تتوقف محاولات أهل السياسة استغلال الحالات الطارئة والضرورية، لاستنزاف بقايا دولارات مصرف لبنان، والضغط على حاكمه بالإنابة للاستجابة لمطالبهم، متّهمين مصرف لبنان بعرقلة عمل الدولة ووقف مصاريفها التشغيلية، كأن الأزمة صارت “مصرف لبنان”، لا الدولة المهترئة وسياساتها الاقتصادية والمالية العقيمة منذ عقود.

فبحجة التخطيط والتفكير في كيفية مواجهة أعباء الحرب إذا ما وقعت، وبعدما بات الباحثون عن أرباح على حساب الدولة عاطلين عن النهب المنظّم، تحرك قنّاصو الفرص، وبدأت المشاريع والمقترحات تتطاير على ألسنة شركائهم في المسؤولية والحكم، وتحضير الرأي العام نحو حتميتين:
الأولى، أن الحرب مع لبنان واقعة لا محالة. والثانية، أن هناك حاجة وضرورة قصوى لاستخدام إيرادات الدولة الموجودة لديه لتمويل فواتير الإيواء والطبابة ولاستشفاء وغيرها من مصاريف الإغاثة.

هذه الخيارات الإلزامية عند هؤلاء، حضرت بحجة أن لبنان متروك لمصيره، وأن لا مساعدات بالمطلق ستأتي إن دخل الحرب، وأن على اللبنانيين التأقلم مع فكرة أن العزلة العربية والدولية ستستمر أكثر.

اعتاد اللبنانيون الحروب، لكن أقساها اليوم ليس ما قد يأتي من جنوبه لا قدّر الله، بل من السيناريوهات والكمائن المالية التي تُنصب بحجة الحرب، من خلال إجازة الاقتراض من دون سقف، وقبول الهبات والقروض دون تسجيل أو إيداع في حساب الخزينة واستخدام دولارات مصرف لبنان وجزء احتياطي الذهب، ما سيؤدي حتماً إلى دمار البنية التحتية للاحتياط القومي، وحرمان اللبنانيين من أقوى الأوراق التي ستمكّنهم مستقبلاً من إنهاض اقتصادهم واستعادة المكانة والقيمة لعملتهم الوطنية.

مصادر مصرف لبنان التي استغربت هذه الطروحات، أكدت أن الوضع جيد جداً “إذ من خلال تدابير نقدية بسيطة من دون أي ضغط يُذكر على السوق استطعنا أن نحافظ على سعر الصرف بالتعاون بين مصرف لبنان ووزارة المال والحكومة عموماً”.

واستغرب الحديث عن الوضع المالي والنقدي في هذا التوقيت تحديداً، فيما “يبدو أن الانزعاج من استقرار الصرف واضح لدى البعض، وكأن ثمة من يريد أن يتفلّت الوضع المالي والنقدي في لبنان لأسباب مجهولة، علماً بأن الواقع الميداني مختلف كلياً عما يُشاع، فلدى الدولة أموال كافية في حساباتها لدى مصرف لبنان ولا حاجة للاستدانة ويمكن للدولة أن تموّل نفسها بنفسها، حتى إنه يمكن لمصرف لبنان دعمها إن احتاجت من خارج الاحتياط الإلزامي، وثمة خطط في هذا السياق، ولكن لا يمكن الحديث عنها في الإعلام في ظل هذه الظروف”.

ولكن إلى مدى مصرف لبنان قادر على تغطية النفقات؟ تقول المصادر إن الأمر يتوقف على نوعية النفقات، إذ لا يمكن مثلاً إعادة إعمار ما سيُهدم، خصوصاً أن الأموال التي دفعت في الـ2006 كانت كبيرة جداً، فيما المؤكد أن الدولة ومصرف لبنان ليسا قادرين على إنفاق مثل هذه الأموال. ولكنه يجزم بأن الدولة في مقدورها تلبية الاحتياجات الأساسية من قمح وسلع والمستلزمات الأساسية”.

وكشفت المصادر أن “مصرف لبنان حوّل خلال الشهرين الماضيين قسماً من أموال الدولة إلى دولار، وهذا المبلغ موجود إن اضطرّت الدولة إلى استخدامه للأمور الأساسية، أو في إطار تدخّل مصرف لبنان في السوق”، لافتاً إلى أن “الإجراءات التي اتُّخذت في مصرف لبنان خلال الفترة القليلة الماضية هي إجراءات داعمة”.

آخر مقترحات منتهزي الفرص، بيع قسم من الذهب، أو تأجيره، أو حتى رهنه والاستدانة عليه. ولكن المصادر تستغرب الحديث في الموضوع في هذا الوقت تحديداً، علماً بأنه يُحظر التصرّف بموجودات الذهب إلا بموجب قانون من مجلس النواب، فيما ما يُعرف بصيّادي الذهب ((Gold hunters ينشطون في مراقبة الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية ومالية، وبما أن لبنان لديه مخزون كبير من الذهب تفوق قيمته أكثر من 18 مليار دولار، فمن المؤكد أن شهيّة هؤلاء ستُفتح .عدا عن ذلك، فإن ثمة نحو 8 مليارات و500 مليون دولار احتياطي مصرف لبنان، فلماذا الحديث عن الذهب الآن؟ وهنا سوء النيّة، برأي المصادر، إذ كأن ثمة من يحضّر الأرضية حتى نحرق الذهب الذي يملكه لبنان.

وبالأرقام، تتحدث مصادر مطّلعة عن أن إيرادات وزارة المال في شهر أيلول التي تخطّت 22 ألف مليار ليرة لبنانية، يُضاف إليها تحصيل إيرادات بأكثر من 44 مليون دولار Fresh. فيما بلغت قيمة رواتب القطاع العام والعسكريين والمؤسسات العامة والمتقاعدين في شهر أيلول نحو 6500 مليار ليرة لبنانية (نحو 76 مليون دولار)، ما يعني أن إيرادات الدولة في أيلول فقط، تكفي الرواتب لنهاية العام الحالي. وكما يبدو من الأرقام أن إيرادات الدولة تحافظ على وتيرتها الجيدة ولن تحتاج إلى الاقتراض.

وسبق لـ”النهار” أن ذكرت أن الإيرادات الفعلية التي يُتوقع تحقيقها خلال عام 2023 قد تصل إلى نحو 240 تريليون ليرة أي نحو 2.7 مليار دولار. واللافت أن أكثر من نصف الإيرادات بدأت الدولة بتحصيلها منذ فترة، نقداً – “كاش” (نحو 14 تريليون إيرادات “كاش” شهرياً، أي ما يوازي 160 مليون دولار على سعر السوق)، ويُتوقَّع أن تزيد الإيرادات مع عودة الموظفين إلى مزاولة أعمالهم بصورة معتادة وإعادة فتح الدوائر العقارية.

كنعان:
وفي السياق، يؤكد النائب إبراهيم كنعان لـ”النهار” أن “ما أصاب لبنان بمقتل موضوعان: الأول الاستدانة من دون سقف محدد إلى أن وصل حجم الدين إلى 100 مليار دولار، وهذا ما درجت عليه الحكومات المتعاقبة بما أسهم في إيصال لبنان إلى الانهيار، والثاني هو عدم احترام القانون والدستور في موضوع الهبات والقروض وفتح حسابات خاصة بمصرف لبنان الذي تجاوز صلاحياته في هذا السياق، إذ من المفترض أن توضع في حسابات الخزينة حسب المادة 247 من قانون المحاسبة العمومية”.

الاستدانة شكّلت أحد عناصر الانهيار المالي الأساسية من خلال إجازتها من دون سقف، وذلك على الرغم من تعديل الإجازة الواردة في المادة الخامسة من الموازنة حتى عام 2010 بعد تسلّمه رئاسة لجنة المال عندما عمل على وضع سقف محدد لها هو العجز المقدّر فيها وليس المحقّق كما درجت عليه كل الموازنات منذ التسعينيات. ويقول: “عندما أجرت لجنة المال أول تدقيق في الموازنة بعد تسلّمي في عام 2010، توقفنا عند هذه المادة، وخضنا معركة حيالها واستشرت حينها البنك الدولي في واشنطن، فكان رأيه مطابقاً لرأينا في عدم جواز إجازة الحكومة الاستدانة من دون سقف محدّد ومقدّر في الموازنة، فأجرينا تعديلاً على الموازنة، ولكن للأسف لم تقرّ موازنة 2010 بعد اكتشافنا اللعنة الثانية التي ورثناها، وهي عدم وجود حسابات مالية سنوية مدققة منذ 1993 وتالياً لم تطبّق الحكومة التعديلات”. وبما أن الموازنات لم تُقَر منذ عام 2010 حتى عام 2016 “فقد أفادت الحكومات المتعاقبة من هذا الوضع، وتمادوا أيضاً كما أثبتنا في تقارير لجنة تقصي الحقائق في قبول وإنفاق القروض والهبات وسلفات الخزينة والحوالات، ما أدى إلى ضياع أكثر من 27 مليار دولار أُحيلت بتقرير مفصّل إلى ديوان المحاسبة منذ 2019، على اعتبار أنها لم تمر في حسابات الخزينة لمعرفة كيفية صرفها والرقابة عليها”، وفق كنعان.

التعديلات التي أُجريت في لجنة الموازنة، لم تحرم الحكومة الاقتراض في الحالات الاستثنائية (إن وجد من يقرضها)، وبحسب كنعان فإن “كل ما قمنا به هو الإضاءة على الأصول في الاقتراض والإنفاق وقبول الهبات، وإلغاء قروض مصرف لبنان “المدعومة” لكبار المحظيين ومن أموال المودعين”.

وختم بالقول: “عليهم احترام القوانين القائمة، والموازنة يجب أن تأتي منسجمة تحت سقف القانون (المحاسبة العمومية، والدستور) وهذا لا علاقة له بالأزمنة والمواقيت، بل بالإصلاح الحقيقي الذي يعيد الانتظام إلى المالية العامة والثقة تدريجاً بلبنان. فالخطط الصورية والقوانين الشكلية، تتلطى وراءها الحكومة لتدّعي قيامها بواجبها الإصلاحي، ولكنها تستمر بممارسة نفس النهج السابق وهنا بيت القصيد”.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى