“قرع طبول” التحذير من موجات نزوح: خشية أو مبالغة؟ (النهار ٣١ آب)

احتكمت حكومة تصريف الأعمال خلال الساعات الماضية إلى اتّخاذ ما بدا بمثابة إجراء طارئ على عجالة من التطوّرات، بعدما عقد الرئيس نجيب ميقاتي اجتماعاً خُصّص للبحث في ما سُمّي “النزوح السوري الجديد الحاصل منذ ثلاثة أسابيع”. وقد شكّل هذا الانعقاد “قرع طبول” التوجّس من انعكاس جديد للأوضاع السورية على الداخل اللبناني، ما اعتُبر أنّه يشكّل بمثابة ظاهرة خطيرة للغاية في رأي المجتمعين لناحية دخول النازحين من خلال معابر غير شرعية. وتقوم حذافير الخطة التي يُراد اتباعها وواكَبَتْها رئاسة الحكومة للحدّ من أيّ “تَمدُّدٍ مرجَّح” لا يتحمّله “المركب اللبناني” نصف الغارق، على نقاط متعدّدة استناداً إلى ما حصل تداوله في الاجتماع الذي ترأسه ميقاتي وحضره عدد من القادة الأمنيين ووزير المهجرين: أولاً، اعتماد أسلوب مدروس في مراقبة الحدود اللبنانية السورية وذلك بالتنسيق مع هيئات مسؤولة. ثانياً، العمل على بلورة سياق تنسيقيّ بين المراكز الأمنية اللبنانية من جهة والقائمقامين والبلديات اللبنانية بغية أن يتحمّل أي شخص مسؤولية استضافة أحد من النازحين غير الشرعيين. ثالثاً، ستُتّخذ إجراءات تطاول من يعمل على إيواء نازحين إذا لم يحوزوا على أوراق شرعية.
لكن، هل هناك حاجة ماسّة أو فعلية للإغداق في “حجم المخاوف” المُعبَّر عنها على النطاق الآنف ذكره؟ وهل ثمة هواجس جليّة من أزمة نزوح جديدة تتشابه مع تجارب النزوح السوري السابقة؟ انطلاقاً من معطيات أوساط رئاسة الحكومة اللبنانية المواكبة للمقررات الأولية الصادرة عن الاجتماع المنعقد، لا مبالغات في الأفق بل هناك معابر غير شرعية تعمل من خلالها جهات منظّمة على استقدام نازحين سوريين عبر نقاط غير خاضعة للمراقبة الرسمية وتُعتبر بمثابة نقاط تهريب في غياب إمكان الضبط الكامل للحدود.
وتروي هذه الأوساط لـ”النهار” تفاصيل مؤشرة إلى زيادة وتيرة هذه الأحداث في الآونة الأخيرة لاعتبارين، أولهما يرتبط بواقع الهروب إلى لبنان لأسباب معيشية أو لمحاولة تهريب النازحين المستقدمين عبر السواحل البحرية إلى الخارج اللبناني، ما استدعى تشدّداً إضافياً من الجيش اللبناني في المراقبة الحدودية. وباتت تُقارب أعداد الذين ترصدهم الحركة الحدودية الألف نازح تقريباً وبشكل يوميّ. ويُعتبر الاجتماع الحاصل على مستوى رئاسة الحكومة تمهيديّاً وسيتبعه اجتماع للجنة الوزارية المتابعة الملفّ للتباحث في مضامينه، لأنّ المبدأ يستدعي اتخاذ إجراءات بعدما حتّم ازدياد حجم الظاهرة إطلاق “جرس إنذار”. وقد حضر المدير العام للأمن العام بالإنابة والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع في اعتبار أن الموضوع يرتبط بتحرّك الجيش. واتفق على إعداد تصوّر سيتبلور عرضه على اللجنة الوزارية.
وتتمحور الأسباب التي تجعل رئاسة الحكومة اللبنانية على أُهبَة الاستنفار أمام أيّ موجات نزوح إضافية، في ما تسمّيها أوساطها التجربة المريرة التي سبق أن شهدتها البلاد مع مسألة النزوح السوري، ما يجعل الاستقطاب الإضافي أزمة خطرة حتى وإن كانت ظاهرياً اعتيادية. وهذا ما كان حصل في ظلّ الموجة الأولى من النزوح التي عرفت قدوم أعداد قليلة بغية الاستشفاء في مراكز طبية شمالاً قبل بدء تصاعد أعداد المتقاطرين بغزارة من النازحين السوريين باتجاه لبنان. وتتمثل الهواجس الراهنة في تكرار الحال نفسها إذا استمرت الأجواء غير المستقرّة في سوريا وغياب قدرة لبنان على تحمّل مزيد من الأعداد. ولا بدّ من إجراءات استباقية منعاً لأيّ موجة نزوح جديدة توازياً مع تشديد الأجهزة الأمنية اللبنانية الإجراءات المتّخذة ومنها عدم تسهيل منح رخص عمل. ويضاف إلى ذلك، الهواجس من الواقع الأمني نتيجة المخاوف من قدوم عناصر من تنظيمات إرهابية، ما يجعل أسباب الاحتياطات الواجب اتخاذها أبعد من مسألة النزوح فحسب.
وفي الموازاة، هناك من يشكّك داخل الطاقم الوزاري اللبناني في مدى الخطورة النابعة من توصيات اجتماع اللجنة المتابعة، مع حديث مصادر وزارية لبنانية بارزة عمّا تسمّيه مغالطات في مقاربة وزير المهجرين تحديداً. وفي السياق، يقول أحد الوزراء اللبنانيين المتابعين لـ”النهار” إن التهويل غير جائز بنزوح إضافي في غياب الظواهر المستوجبة اعتماد الخطاب القائم راهناً، ما لا يلغي وجوب ضبط الحدود البرية وإغلاق المعابر غير الشرعية. لكن، لا “ناقوس للخطر” ينذر بموجة نازحين جديدة لأنّ المسائل لم تصل إلى الدرجة المبالغ فيها والمعبّر عنها التي يمكن أن تجعل القاطنين في بعض المحافظات السورية يأخذون وجهة نزوح إضافي. ويضاف إلى ذلك في سرد الوزير نفسه، الإشارة إلى طبيعة المناطق التي تشهد على الاحتجاجات المناهضة للنظام السوري في جبل الدروز ومحافظة السويداء تحديداً، وهي مناطق ذات غالبية درزية يعرف عنها تشبّثها في المكوث داخل مناطقها على الرغم من صعوبة الأوضاع القائمة. وفي المقابل، لا قابلية في الداخل اللبناني لتلقّف أو استقبال موجة نزوح كبيرة جديدة ما يساعد على أن يكون لبنان في منأى عن تطورات مرتبطة في استعادة مظاهر النزوح الإضافي. ولا يرجح أن يشهد ملفّ النزوح تطورات سريعة في اعتباره مرتبطاً بأبعاد إقليمية ودولية وإمكانات مادية لبلورة العودة، أمّا التصدّي لأيّ موجات نزوح جديدة فيكون ببساطة من خلال ضبط الحدود.



