على مائدة التسوية والرئاسة في لبنان (اللواء ٦ أيار)

على مائدة التسوية في المنطقة وإعادة التدوير لمخلّفات الحروب الفائقة الجودة من العراق واليمن إلى سوريا والسودان، أطباق التقارب السعودي – الإيراني الباردة والساخنة من الشأن الحكومي في بغداد إلى الصراع العابر للحدود بين صنعاء والرياض، ومقبلّات عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، ومشاريب عودة النازحين السوريين إلى بلدهم وديارهم، وأقداح الوساطة والدور السعودي المحوري في محاولات إرساء الهدنة وعمليات إجلاء الفارين من السودان بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 نيسان الماضي، وأخيراً طبق الرئاسة في لبنان.
أُحجيّة الرئيس العتيد حملتها الاتصالات الناشطة بين «حزب الله» ومستشار الرئيس الفرنسي «باتريك دوريل»، وما قيل عن عدم معارضة السعودية لأي مرشح رئاسي يتفق عليه اللبنانيون بالتزامن مع حركة السفير السعودي «وليد بخاري» والسفيرتين الفرنسية والأميركية «آن غريو» و«دوروثي شيا». وفي هذا الوقت الذي تزداد فيه نسبة الترجيحات لصالح رئيس تيار المردة «سليمان فرنجية» للتقدم الآني بالنقاط على سائر الأسماء المطروحة للرئاسة مثل قائد الجيش «جوزاف عون»، ومدير قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي «جهاد أزعور»، والنائب السابق «صلاح حنين»، ووزير الداخلية والبلديات الأسبق «زياد بارود»، تستمر معارضة القيادات المسيحية البارزة لانتخاب مرشح الثنائي الشيعي من قبل التيار الوطني الحر إلى حزبي الكتائب والقوات اللبنانية وباقي قوى المعارضة النيابية التي ما زالت تعمل على عدم تأمين النصاب لانتخاب الرئيس في ظل امتلاكها 43 نائباً بحسب تأكيد عضو كتلة الجمهورية القوية النائب «جورج عدوان».
ومن خارج المجلس النيابي، مبادرة رئاسية بارزة وإن لم تكن جديدة بمضمونها أطلقها «لقاء الجمهورية» برئاسة رئيس الجمهورية الأسبق العماد «ميشال سليمان»، الذي زار بكركي وأطلع عليها البطريرك الماروني الكاردينال «مار بشارة بطرس الراعي»، وهي تدعو إلى التزام القوى السياسية والرئيس العتيد، بالنقاط التالية:
• تحييد لبنان عن صراعات المحاور كما جاء في «إعلان بعبدا».
• إعادة العلاقات مع الدول العربية إلى سابق عهدها.
• وضع جدول زمني لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية في مدة لا تتجاوز 18 شهراً.
• التوافق على إمرة استعمال السلاح خلال الفترة الانتقالية.
• إنشاء مجلس الشيوخ بالتزامن مع تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية.
• وضع الخطة المرحلية لإلغاء الطائفية وفقاً للمادة 95 من الدستور اللبناني، والفقرة «ي» من مقدمة الدستور.
• إقرار اللامركزية الإدارية الموسعة.
• تثبيت استقلال السلطة القضائية عملاً بمبدأ «فصل السلطات».
وعلى عكس التكهنات بحصول الانتخابات الرئاسية خلال الشهرين القادمين، لا يبدو أن الصورة قد باتت مكتملة لإتمام الاستحقاق الرئاسي في المدى القريب، وما تم تأجيله إلى حزيران يمكن ترحيله إلى أيلول بعد أن أصبح الفراغ الرئاسي القاعدة الرئيسية المعمول بها في لبنان، وبعدما بات إنجاز الاستحقاقات الدستورية بمثابة الاستثناء. وما بين تبريد وتمديد الأزمات في المنطقة، يبقى مصير الاستحقاق الرئاسي معلقاً ما بين التسويق للمبادرات الفرنسية المتماهية مع إعادة إنتاج تسويات أثبتت فشلها بين المحاور الداخلية والخارجية وبلغت ذروتها في عهد الرئيس السابق العماد «ميشال عون»، وذلك عبر طرح ثنائيات جديدة على رأس السلطة التنفيذية على غرار ثنائية (فرنجية – نواف سلام) أو (فرنجية – تمام سلام)، واستحالة قبول المعارضين لهذا الطرح بتكرار تجربة الرئيس القوي لحساب محور الممانعة في مقابل رئيس حكومة ومجلس وزراء يمكن تعطيلهما بذات الطريقة الطائفية البغيضة والمعتادة خلافاً لروح الدستور والعيش المشترك وأحكام القانون.
أسئلة عديدة وتسوية دولية وإقليمية فيما لو كانت قادمة ستلقي بظلالها على تقرير مسار الإصلاحات والاستحقاقات الرئاسية والحكومية ونتائجه على صعيد إعادة تكوين السلطات وتفعيل العمل الديمقراطي وتكريس استقلال القضاء في لبنان. وأيّاً كانت هذه التسوية المنشودة فلا بد لها من سلوك خارطة طريق مختلفة بإشاراتها ومسالكها عن شعارات وعناوين كثيرة سقطت مع سقوط بلد وشعب بأكمله في جهنم ما سُمِّيَ بالعهد القوي، ومنها أولاً: سقوط شعار «الرئيس القوي» أمام الحاجة إلى «رئيس وطني» سيادي ومستقل ولا يشكل تحدٍّ لأي فريق. وثانياً: سقوط عنوان «الميثاقية» كسلاح للتعطيل الطائفي البغيض أمام روح الميثاق الوطني وأسس العيش المشترك بين أبناء الوطن. وثالثاً: سقوط منطق الاستقواء على الدولة واستضعافها لحساب القوى الطائفية التي أوصلت الدولة ومؤسساتها إلى حالة من الاهتراء الكامل، ودفعت بلبنان وأهله إلى خطر الزوال والاضمحلال.



