أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

أيّ محطّات حكمت علاقة عون بالقضاء خلال ولايته؟ | الإثنين 31 أكتوبر 2022 (النهار 31 تشرين الأول)

أكثر المؤسسات تضرّراً مع نهاية العهد هي بلا منازع القضاء الذي يمثل السلطة الثالثة في الدولة. لقد أضحى يمر بمرحلة خطرة لم يشهدها لبنان يوماً بسحب لقمة العيش من أفواه القضاة اقتصاصاً من رؤيتهم لتطبيق العدالة ولا سيما في بعض الملفات الحساسة لتتواءم والقانون وتختلف عن رؤية السياسيين.

وقد عبّر نادي القضاة عن هذا الواقع في آخر بيان له متوقفاً عند “خضمّ أزمة عدالة أكره القضاة فيها على الترجّل عن أقواس محاكمهم بعد أن استحال عليهم المضيّ قدماً في رفع شأن القضاء أمام هذا الكم الهائل من الإهمال المتعمّد واللامبالاة المتعمّدة والفاضحة والتجنّي السافر والذلّ المقصود”. ولم يقدم أيّ من الحكام على أيّ محاولة جدّية للتخفيف من معاناة القضاة ولو بتصريح إعلامي ومنهم رئيس الجمهورية ميشال عون ليطمئن أهل هذه المؤسسة على يومها على الأقل وليطمئن الرأي العام إلى مصير ما تواجهه هذه المؤسسة، الركن الأساسي في أي دولة. لم يعمل الحكام على حل مشكلتهم لتؤمن لهم الوصول الى مكاتبهم ويتمكنوا من القيام بواجبهم بذهن مرتاح مطمئنين الى معيشتهم ومعيشة عائلاتهم بعدما بات صندوق تعاضد القضاة عاجزاً عن تأمين الطبابة لهم والتعليم لأولادهم. حتى بلغ اعتكافٌ للقضاة حدّه الأقصى منذ حوالى شهرين ولا حياة لمن تنادي. فهل صحيح ما يقوله قضاة بأن افتقار الأذن الصاغية حتى الآن هو اقتصاص؟ وربّ قائل إن ثمة تحركات تجري بعيداً من الضوء لحل هذه المشكلة، ولكن لا مؤشرات توحي إلا بالتقصير الى الآن. ولا يجوز تجاهل مطالب القضاة المحقة مهما كان سبب المانع لأن كيان هذه المؤسسة على المحك، ولا سيما أن عددهم لا يتجاوز 600 قاضٍ ولن يؤثر على “جيب” الدولة حتى لو كانت ماليتها مأزومة ومقدوحة. إن حل هذه المعضلة واجب وطني عوض استشعار القضاة أنهم متروكون من الحكام في شرخ التجاهل والاقتصاص.

لقد وجد القضاء نفسه في آخر المطاف في مواجهة مطلب السلطة تعيين محقق عدلي رديف في ملفّ انفجار المرفأ للنظر في الضرورات الملحّة لحين يتمكن المحقق العدلي الأصيل من استئناف تحقيقاته. ولم يبلغ هذا المطلب المنال لعدم قانونيته. وقد تقاطعت حول هذا المطلب المصالح السياسية لو شق طريقه، سواء بتخلية موقوفين وأحدهم المدير العام للجمارك بدري ضاهر الذي عُيّن في منصبه بمباركة رئيس الجمهورية الذي بدا مؤيّداً لهذا المطلب من خلال الدفاع عنه في المقابلة التلفزيونية الأخيرة عشية انتهاء ولايته، أو عبر تقديم الدفوع الشكلية، ويرى القانونيون أن من شأن إقرار هذا المطلب أن يؤدّي الى طيّ التحقيق في هذا الملفّ وأن يُفرج عن الادعاء العام المقام على السياسيين الملاحقين في هذا الملف وينتهي بإحالتهم على مجلس النواب حيث يناط بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء محاكمتهم. واستجد هذا المطلب إثر رد مجلس القضاء الأعلى غير مرة تعديل التشكيلات القضائية الجزئية التي اقترحها وزير المال يوسف خليل المحسوب على رئيس مجلس النواب نبيه بري، والرامي إلى إحداث غرفة جديدة في محكمة التمييز، واعتبر المجلس أن من شأن ذلك إحداث خلل في التوازن في توزيع المراكز القضائية في العائلة القضائية في حال جعل عدد الغرف 11، ست للمسلمين مقابل خمس للمسيحيين باعتبار أن الرئيس الأول لمحكمة التمييز المؤلفة من عشر غرف في التشكيلات القضائية المتعاقبة، ولا يترأس أي غرفة منها لكونه رئيساً أول لهذه المحكمة. ولا تزال هذه التشكيلات عالقة بعدما أكد مجلس القضاء موقفه، وأعيدت إليه أخيراً لتعيين خلف لقاضية سُمّيت رئيسة لإحدى الغرف الشاغرة بفعل تقاعد رئيسها الأصيل. وإشارة في هذه الزاوية الى أن المراكز في محكمة التمييز عرضة بنحو متتالٍ لحالة تقاعد شاغليها من القضاة بحكم السن نظراً إلى أن هذه المراكز يُعيّن فيها قضاة في الغالب قطعوا شوطاً في مسيرتهم القضائية.

الحال أن القضاء اجتاز قطوعاً الى الآن بسبب المطلبين السياسيين، ما اعتبره القاضي عبّود تدخلاً سياسياً في شؤون القضاء أدّى إلى رفضه حضور الجلسة التي دعا إليها وزير العدل هنري خوري لبتّ مطلبَي تعيين محقق عدلي رديف للقاضي طارق البيطار مقترحاً اسماً واحداً لهذه الغاية، وتعيين قاضٍ في المركز الذي شغر بفعل التقاعد في التشكيلات القضائية الجزئية. وأدّى ذلك الى اختلاف داخل المجلس كاد ينبئ بالمحظور. وكأن نادي القضاة استقرأ مغبّة الوصول الى هذه الإشكالية مسبقاً في بيانه في التاسع من أيلول الماضي الموجّه في جانب منه الى مجلس القضاء عندما ذكر أن “الضرورات، أياً كانت أشكالها وأنواعها، لا تبيح المحظورات. فلا تشاركوا في تدمير ما بقي من هيبة للقضاء، ولا تشاركوا من يقترح حلولاً اعتباطية، مطالباً إياه بالتراجع عن قراره بالموافقة المبدئية على انتداب محقق عدلي في ملف المرفأ”. هذه الموافقة المبدئية للمجلس على طلب وزير العدل أريد بها، بحسب ما ذكرته أوساط قضائية، حصر تعيين النظر في الضرورات الملحّة لبت طلبات التخلية.

وثمّة من يحمّل تبعية ما يحصل في القضاء لعدم توقيع رئيس الجمهورية على التشكيلات القضائية العامة في مقتبل ولايته، ما استدعى الحاجة الى تشكيلات جزئية لملء الشغور في رئاسة غرف في محكمة التمييز، تلافياً لتعطيل عمل الهيئة العامة لمحكمة التمييز التي شهدت سيلاً من دعاوى مخاصمة أوقفت عمل المحقق العدلي لحين بتّها سلباً وتفضي الى تعيين محقق عدلي جديد، أو إيجاباً بمعاودة تحقيقاته، وكذلك يعلق أمام الهيئة طلب رد رئيس غرفة محكمة التمييز القاضي ناجي عيد الذي ينظر في طلب ردّ القاضي البيطار، وإضافة طلب جديد قُدّم أخيراً أمام الهيئة العامة من النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر لرد القاضي الذي كُلّف النظر في ردّ المحقق العدلي بعد تنحّي القاضي عيد عن القيام بهذه المهمة.

لقد عارض رئيس الجمهورية إقرار هذه التشكيلات لأسباب ساقها في المقابلة التلفزيونية لجهة عدم استيفائها المعايير المطلوبة في القضاء بمراعاة التراتبية والدرجات القضائية. في الحال أبعدت تلك التشكيلات ما يُسمّى المحسوبين عليه وعلى التيار الوطني الحر عن مراكز أمامية الى مراكز أقلّ شأناً (كتعيين القاضية غادة عون مستشارة في محكمة التمييز)، فيما لم تطبّق المعايير ذاتها في توزيع المراكز القضائية، تقول أوساط قضائية، التي أخذت في الاعتبار مراعاة أفرقاء سياسيين آخرين، واستحواذ قضاة على مراكز من الفريق المؤيّد لنهج القاضي عبود في العمل القضائي، انطلاقاً من مبدأ استقلال القضاء، علماً بأن هذه الخطوة كان يمكن أن تنفّذ على مراحل بتشكيلات لاحقة في سبيل تعزيز هذه الاستقلالية، في مراكز أساسية، بدءاً باللون الطائفي الذي ينتمي إليه، باعتبار أن سائر المراكز القضائية لا تنسحب عليها التدخلات السياسية وتشمل جميع التلاوين اللبنانية. ولم يتراجع القاضي عبود عن قناعته وكذلك الرئيس عون.

بواسطة
كلوديت سركيس
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى