الخوف من “الدم” وغياب الدولة يقفلان المصارف جزئياً حتى إشعار آخر! (النهار 11 تشرين الأول)

ما كان ينقص اقتصاد لبنان أو بقاياه إلا أن يتوقف ما بقي من العجلة المصرفية. فمسلسل الاقتحامات “الممسرحة” حينا والصادقة احيانا، استولد كرة ثلج بات نموها وتضخّمها يهددان بتدمير ما بقي من مصارف. فقد اختفت الودائع واختفت معها الدولة ووُضع المودعون في مواجهة المصارف: مودعون شديدو الحاجة الى طبابة واستشفاء وتعليم اولادهم ومصروف قوت يومهم في مواجهة مصارف أشد حاجة الى مليارات اودعتها الناس عندهم واختفت في جوف حوت الدولة.
فأين الحل؟ إذا فتحت المصارف ابوابها كالعادة وسالت الدماء، الامر الذي يتخوف منه مسؤولو المصارف وموظفوها كما القيادات الامنية، نكون امام مشهد قد يتطور الى ما قد لا يحمد عقباه. وما حصل الاسبوع الفائت من اطلاق نار على احد الفروع المصرفية في جبيل من دون توقيف مطلق النار، اشارة غير مشجعة، انما تدل على أن “الجمر تحت الرماد” قد يتحول لهيبا وعندها لن ينفع الندم. اما في حال استمرت المصارف بالإقفال الجزئي لأبوابها والاكتفاء بخدمات الصرافات الآلية او الاستقبال عبر موعد مسبق لشريحة محددة من المودعين، فهذا يعني حصارا اضافيا يخنق ما تبقى من خدمات مصرفية لا تزال مصارف لبنان تؤمّنها وتساعد من خلالها نفسها على الصمود الى حين البتّ بمصير القطاع برمته، كما تساعد جزئيا في تنشيط بعض الحركة الاقتصادية والنقدية. لذا ما بين حق المودع بماله وحق المصرف بأمانه تضيع على القطاع المصرفي مداخيل كبيرة تعزز قليلا من قوته وأرباحه يخسرها لمصلحة شركات التحويل المالية، حيث إن المغتربين باتوا يفضلون التعامل مع شركات تحويل الاموال ذات الكلفة الاعلى على التحويل عبر المصارف اللبنانية الى عائلاتهم وانسبائهم تجنباً للارباكات والمعوقات التي تحصل نتيجة الاقفال الجزئي للمصارف. وفي هذا الاطار، تتوقع مصادر شركات تحويل الاموال أن ترتفع نسبة الحوالات المالية في هذه الفترة بنسبة كبيرة تضاف الى نسبة الـ 80% التي زادتها في الأشهر الستة الاولى من السنة مقارنة مع الفترة عينها من العام 2021. وهذا ما دفع شركة “OMT” مثلا التي تسيطر على 80% من سوق الحوالات المالية خارج القطاع المصرفي الى زيادة عدد مكاتبها في لبنان لتصل الى نحو 3500 مكتب في كل المناطق، وفق ما تؤكد المصادر عينها.
ولكن أي ضرر قد يخلّفه قرار المصارف الاستمرار بإقفال أبوابها على الاقتصاد اللبناني وقطاع الاعمال فيه؟ وهل الاجراءات “التنظيمية” التي يتخذها القطاع المصرفي كافية لمعالجة المشكلة؟ المستشار المالي والمصرفي نيكولا شيخاني، وإن كان لا يؤيد لجوء المودع الى “العنف” للحصول على وديعته، بَيد أنه يعتبر أنه “في ظل عدم وجود دولة تدافع عن الودائع وتحافظ عليها، بل على العكس تقوم عبر خطتها الاقتصادية بالتنصل من مسؤوليتها في خسارة الودائع وتحمّلها للمودعين، فيما القضاء لا يحافظ على حقوق المودعين، ولا يأخذ تدابير قانونية في حق الدولة أو المصارف، فإن المودع يجد نفسه مخذولا بما يدفعه الى الاعمال العنفية في تحصيل وديعته، وهي الوسيلة الوحيدة التي يراها المودع مناسبة لايصال صوته”. ولئن كانت هذه الوسيلة ليست الوسيلة الناجعة برأي شيخاني، بيد انه يقول إن “علينا تفهّم المودع، خصوصا اننا وصلنا الى مرحلة أن الازمات الاقتصادية تؤدي الى أزمات أمنية في حال لم تتم معالجتها بسرعة”. المشكلة على ما يقول شيخاني هي أن “الدولة لم تلجأ الى ابتكار الحلول، بل على العكس ساهمت بتدهور الاقتصاد من خلال التعثر بدفع سندات اليوروبوندز. لذا المطلوب خطة متعددة الاهداف من خلال اعادة هيكلة الدين العام، وهيكلة القطاع المصرفي، وتحافظ على الودائع، كما تلحظ اجراءات لاعادة النمو وتحفيزه بما يعيد السيولة الى البلاد وتاليا عودة دورة العجلة الاقتصادية الى طبيعتها. وتوازيا مع هذه الخطة، نحتاج الى قضاء نزيه للمحاسبة وحفظ حقوق الناس”.
أما في غياب هذه الاجراءات “فإن الامور ستذهب الى مزيد من التأزم والتعقيد”، يقول شيخاني، مضيفا: “إذا كنا نتفهم أن الأموال الموجودة في فروع المصارف عرضة للخطر، ولكن يجب ألّا تلجأ المصارف الى اقفال ابوابها، وتأخذ نحو مليون و350 ألف مودع كرهينة بسبب لجوء عدد منهم الى الحصول على ودائعهم بالقوة”.
وينصح شيخاني المصارف بـ”فتح طاولة حوار مع المودعين، لكي يشعر المودع أن مصرفه يحتضنه ووديعته هي فعلا وديعة يؤتمن عليها عنده، وليس كما يحصل حاليا حيث تقوم المصارف بأخذ المودع كرهينة. فثمة نحو 95% من المودعين يشعرون بالوجع والاحباط، كونهم لا يستطيعون التصرف بودائعهم لتلبية حاجاتهم اليومية”.
ماذا عن انعكاسات اقفال المصارف على الاقتصاد اللبناني؟ لا يرى شيخاني أي أثر للاقفال على الحركة الاقتصادية، “إذ إن الاقتصاد اللبناني، بغالبية قطاعاته، لم يعد يمر عبر النظام المصرفي كما في السابق، وأصبح يعتمد كليا تقريبا على “الكاش”. لذا فإن اقفال المصارف لن يضرب الاقتصاد، لكنه بالتأكيد يمنعنا من تنفيذ خطة مستدامة لتطويره مستقبلا”. ولكن في المقابل “الاقفال لن يشجع المستثمرين على ارسال أموال “فريش” الى القطاع المصرفي… وهذا خطأ كبير ترتكبه المصارف… أما المشكلة الاكبر فهي أن سمعة المصارف ومن خلال قرار الاقفال ستزداد سوءا”.
وفي حين اعترفت المصارف في بيانها الاخير بان المسؤولية تقع عليها ايضا، وهذا تطور مهم برأي شيخاني، “لذا عليها أن تبادر الى الخطوة الثانية وتتعلق بمحاورة المودعين وايجاد حلول وخطة مشتركة، علما أن المسؤولية الاكبر تقع على المصارف التي يجب أن تحرر أموال المودعين”.
الموظفون
لا ريب في أن المودع “المقتحِم” الذي عرّض حياته وحياة موظفي الفروع المصرفية وعملائها للخطر الامني من جهة، وعرّض نفسه للاعتقال والسجن من جهة أخرى، هو ضحية ظروف غير مسؤول عنها وتاليا يستحق أن يحصل على وديعته، في حين ان المصرف المقتحَم وموظفيه وعملائه هم ضحايا يستحقون الشفقة من جهة، والحماية من جهة أخرى.
واذا كان قرار الاقفال أو فتح ابواب المصارف تتخذه جمعية المصارف حصرا، بَيد ان نقابة الموظفين على تواصل مستمر مع الجمعية التي لن تأخذ اي قرار بإعادة فتح أبوابها من دون الوقوف على رأي النقابة. وفي هذا السياق أكد رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف جورج الحاج أن “موقفنا واضح وابلغناه للجمعية، إذ اننا لا نقبل أن يتعرض أمن الموظف وسلامته وكرامته للخطر”. وسأل: “ماذا لو ذهب أحد الموظفين أو المودعين ضحية هذا العنف؟ من سيكون المسؤول؟ وعلى هذا الاساس اتُّخذت هذه التدابير والوضع سيبقى على حاله حتى اشعار آخر، أو حتى تتغير المعطيات والظروف”. فهذه الوضعية، وفق ما يقول الحاج “فرضتها السياسة التي اتبعتها روابط المودعين، حيث كان المودع يقتحم بـ”قبة باط” أو رضا منها مهددا الموظفين بسلاحه وبالقوة ليحصل على وديعته”.
وكانت جمعية المصارف ابلغت أعضاءها أنّه “في ما يختص بالأيام المقبلة، فالمصارف ليست مضربة ولا مقفلة، إنّما تتابع الإجراءات التنظيمية والأمنية نفسها، أي الاكتفاء بخدمة الصراف الآلي للأفراد وخدمة الزبائن للشركات في الوقت الحاضر”.
وإذ اعتبر الحاج أن قرار الجمعية هو “الطريقة الوحيدة التي تجعل الموظف مرتاحا في مركز عمله، ولا يصار الى اي اصطدام مباشر بينه وبين المودع يمكن أن يؤدي لا سمح الله الى عنف دموي”، قال: “للاسف لا يمكن الطلب من القوى الامنية أكثر مما تقوم به من اجراءات… لست في موقع الدفاع عن المصارف، ولكن الاموال غير متوافرة لديها، وتقتصر الاموال الموجودة في الفروع المصرفية على تلك التي يخصصها لها مصرف لبنان بالليرة، اضافة الى دولارات صيرفة. القطاع المصرفي اليوم على شفير الافلاس، وتاليا علينا أن نتعاون جميعا لانقاذه، كما على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في الهدر الذي أدى الى ضياع اموال المودعين”.



