«الخيار الحكومي الثالث» أمام الحزب كان مفقوداً (الجمهورية 20 كانون الثاني)

كتب جورج شاهين في” الجمهورية “:
مهما قيل في قرار «الثنائي الشيعي» بالعودة الى المشاركة في جلسات مجلس الوزراء، وبمعزل عن النتائج الإيجابية المترتبة عليه، فإنّ البحث عن الظروف التي قادت الى اتخاذه ما زالت تخضع للنقاش، كلما تسرّب جديد يتصل بمرحلة مخاض ولادته. وإن توقف المراقبون أمام البعض منها، لا يمكن تجاهل التباين بين طرفي الثنائي الذي لم يعد سراً، وخصوصاً انّه قاد الى التشدّد الذي عمد اليه الحزب، للبت بالعودة النهائية. فلماذا وكيف؟
لم يكن مستغرباً ان تنقسم الآراء في تفسير خطوة «الثنائي الشيعي» بالعودة الى مجلس الوزراء، في وجود خيارين احدهما يقود الى ربطه بالتطورات الدولية والاقليمية، وتحديداً تلك التي تشكّل طهران طرفاً فيها قياساً على ما يجري في شأن ملفها النووي في فيينا، او عند مقاربة المفاوضات الجارية مع المملكة العربية السعودية. فيما يقود الثاني الى اعتباره داخلياً، جاء من «عنديات الثنائي» كما جزم رئيس مجلس النواب نبيه بري بذلك، في اول تعليق له على الخطوة التي أنهت الشلل الحكومي وأحيت جلسات مجلس الوزراء للبحث في ما هو طارئ، يعني البت بمشروع قانون الموازنة العامة وما يتصل بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والخدمات والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ومعها التحضيرات للانتخابات النيابية المقبلة.
وفي سياق هذا التفسير المزدوج للخطوة، اختلفت القراءات والأفكار التي سعت الى إثبات أي من الخيارين يتقدّم على الآخر، الى أن بدأت تظهر المعطيات التي دفعت الى الربط بينها والعوامل الداخلية التي قادت الى هذه الخطوة المفاجئة في توقيتها وشكلها ومضمونها، وتحديداً عندما تسرّبت وقائع من المناقشات التي دارت بين الثنائي، والتي لم تخلُ من بعض الحماوة في بعض جوانبها، وخصوصاً عندما تلامس ما ادّى الى تعطيل مختلف جوانب الحياة في الدولة والوزارات والمؤسسات العامة، على الرغم من جهود عدد من الوسطاء الحميدين الذين عملوا على ترطيب الأجواء بينهما وبين كل من رئيس الجمهورية وفريقه السياسي والحزبي ورئيس الحكومة، الذي رفع الصوت عالياً تجاه بعض المواقف التي أُطلقت مما يجري في الداخل والخارج. وهو أمر أجبر بوجهيه في بيان السبت الماضي، على اعتبار انّ الخطوة جاءت رداً على الحملة التي حمّلتهما المسؤولية عمّا آلت إليه التطورات وتدهور الأوضاع في البلاد الى الدرك الذي بلغته.
وانطلاقاً من هذه المعادلة التي عاشت البلاد في ظلها طوال شهرين من اصل عمر الأزمة التي تجاوزت شهرها الثالث بقليل، فقد ثبت بالوجه الشرعي، انّ الاستمرار في تعطيل مجلس الوزراء لم يعد ممكناً، وانّ مسلسل الشروط التي وضعها الثنائي لـ»قبع» المحقق العدلي طارق البيطار وتصويب السلوك القضائي، ليس من مهمّة اي سلطة أخرى غير السلطة القضائية. وهو أمر لا يمكن الإقرار به على خلفية الحديث عن الحدّ الأدنى من احترام مبدأ الفصل بين السلطات الدستورية، وخصوصاً بعد فشل سلسلة «مشاريع الصفقات» التي طُبخت في مواقع مختلفة ولم توفّر المخرج الذي يمكن ان تعبره.
وفي اعتراف العارفين بكثير من التفاصيل، فإنّ «السدّ المنيع» الذي واجهه موقف «الثنائي الشيعي» من تجميد العمل الحكومي بشروطه المعلنة، دفع به الى إعادة نظر كبيرة وعكسية بالاستراتيجية المعتمدة على المستويات كافة، في مرحلة هي الأدق، نتيجة القراءة الواقعية للنتائج الكارثية التي عكستها هذه الأجواء. فالدولار الأميركي قفز قفزات خطيرة لا يمكن ان يتحمّلها أي طرف مهما كانت قوته، بعدما بلغت إنعكاساته مختلف أوجه حياة اللبنانيين وطاولت مختلف شرائح المجتمع، الى درجة هدّدت البيئة الحاضنة للثنائي والمقاومة خصوصاً، والتي لم تتمكن قيادتهما من الدفاع عن توجّهاتهما الداخلية، اياً كانت الظروف التي حتّمت عليهما التصلّب الذي عبّرت عنه مواقفهما.



