أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

دق ناقوس الخطر: “هدم القضاء”؟ (النهار 10 تشرين الثاني)

كتب مجد بو مجاهد في “النهار”:

عندما اختصر المؤرّخون الكلمات المعبّرة في سرد مدينة بيروت خلال العهد الرومانيّ، كتبوا فيها أنها اكتسبت شهرة واسعة باعتبارها مركز أكبر وأهمّ معهد للقانون في سائر الامبراطورية الرومانية، حيث ارتبطت أهمية المعهد باعتبار أن دراسة القانون كانت بمثابة أولى متطلبات التوظيف العالي في الدول الرومانية. ولمّا أراد مرجع وزاريّ – قضائيّ سابق التعبير في مجالسه عن واقع بيروت عام 2021، احتكم إلى التحفّظ وتجنيب الذات متاهات لا تؤدي إلى وجهة أو مكان، مفضّلاً عدم إبداء رأي موضوعيّ وعلميّ وحرّ ومستند إلى قانون ودستور، باعتباره أن التعبير عن رأي صادق ولا يراعي أي طائفة أو مذهب أو جهة على تعدّدها، مسألة غير مقبولة في الزمن الراهن. وإذ يأسف متأثراً لرؤيته “البلد انتهى”، يرفض المساهمة في أيّ رأي “على مشارف نهاية البلاد”. فهل يعني ذلك أن الرأي الحرّ والصريح والزاخم بالجرأة بات لا يشبه بيروت في صورتها الراهنة؟ وأيّ مخاطر ناجمة عن تصاعد وتيرة شدّ الحبال السياسية على مقربة من القضاء، في ظلّ الصّخب السياسي غير المسبوق حول قضية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت؟

يرى الوزير السابق #شارل رزق في حديث لـ”النهار” أنّ “ما يحصل يؤدي إلى تمزيق وهدم القضاء، بعد تأجيل التحقيق مرّات عدّة وتحوّل التفجير إلى داخل المؤسسة القضائية. أعتبر أن التحقيق انتهى ولا حاجة إلى إضاعة الوقت. يُشكّل الاستمرار في التحقيق من الآن فصاعداً مضيعة للوقت، وذلك ليس بسبب اليأس من الوضع الحالي في قدرة القضاء على اكتشاف الفاعلين، بل لأنني لا أعلم في الوقت نفسه إذا كان الذين قد ينجحون في تعطيل القضاء، يدركون أنهم بذلك يشيرون إلى أنهم المفجِّرون”، مضيفاً: “أعود بالذاكرة إلى تصريح وزير الصحة السابق حمد حسن الذي اعتبر أنّ ما حصل في انفجار المرفأ قضاء وقدر. هل يدرك ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنّ ليس هناك مسؤوليات”.

لا يغيب عن البنود الإصلاحية التي كان لا بدّ من تنفيذها قبل نحو سنة استناداً إلى خريطة طريق المبادرة الانقاذيّة، ضرورة وضع لبنان آلية واضحة وشفافة تتضمن منصّة الكترونية لتعقّب المساعدات الدوليّة الانسانية وتلك المخصّصة لدعم تنفيذ الاصلاحات بالتعاون مع الأمم المتحدة والنازحين. استمرّ تعطيل تشكيل الحكومة أشهر طويلة، ثمّ عُطلت الحكومة الحالية سياسيّاً عن عقد الجلسات. ويعتبر رزق أنه “لو كان هناك قليل من التفكير، لفكّروا سريعاً بآلاف العائلات المتروكة. ما يحصل تنصّل من المسؤوليات وترك للمشردين والضحايا على الطريق واغتيال القضاء نهائياً ولفترة طويلة، مع السير تدريجاً نحو تحطيم المؤسّسات التي لا يزال فيها بعض الأمل والروح. الاتجاه هو نحو حرمان اللبنانيين من شيء اسمه دولة، وكأن ما يجري مقدّمة للفوضى”. وعن الرهان على إمكان بناء استحقاق الانتخابات المقبلة نافذة أمل تبدّل مشهدية الواقع الراهن، يجيب: “أتمنى، لكنّي لا أؤمن كثيراً بذلك. في العراق رزقهم الله رجل دولة هو مصطفى الكاظمي الذي أدرك كيفية إدارة بلاده من دون الوصول إلى العنف والتحديات. وفي النهاية معروف من يريد أن يقتل الكاظمي. لا أعلم إذا كانوا يدركون في لبنان ماذا يعني صعود الكاظمي أولاً ومحاولة اغتياله ثانياً كتنبيه وتهديد. يُعتبر العراق نموذجاً مكبّراً عن لبنان بتنوّعه الطائفي والسياسيّ. ولا بدّ من التنبّه إلى كلّ ما يحصل في العراق، لكن أحداً لا يتنبّه إلى مثل هذه المواضيع التي تبقى متروكة”.

وبدوره، يضيء رئيس المجلس الدستوري السابق عصام سليمان على مكامن الأزمة، وفق مقاربته التي بعيبّر عنها لـ”النهار” لجهة أنّ “تدخّل السياسيين في الشؤون القضائية أدّى إلى أزمة كبيرة في القضاء. فانقسم القضاة على أنفسهم، كما انقسام السياسيون، بما أساء جداً إلى المؤسّسة القضائية. الثقة مفقودة في الدولة بكلّ مؤسّساتها فيما تتطلب استعادة الثقة، العمل على استعادة الثقة بالقضاء بدرجة أولى. وإذا انتفت الثقة بالقضاء لا يمكن أيّ مستثمر لبنانيّ أو أجنبيّ أن يتشجّع على الاستثمار في القطاعات الاقتصادية اللبنانية، لأنه يدرك أنه إذا تعرّض لأي مشكلة، ليس ثمة من قضاء عادل أو فاعل يحافظ على أمواله”، محذّراً من أنّ “ما يحصل في القضاء سيئ جدّاً بما يخصّ سمعة الدولة في كليّتها. وقد وصلت المنظومة السياسية التي دمّرت المؤسّسات الدستورية إلى حدود تدمير المؤسسة القضائية. ولم يعد ثمّة أيّ مؤسسة بالدولة تتمتّع بثقة وسط الأداء السياسي السيئ الذي أدّى إلى تدمير مؤسسات الدولة والوصول إلى أزمة اقتصادية ومالية ونقدية لم يسبق أن توقّعها أحد. وتتمثل المشكلة الأكبر في استمرار السياسيين الذين فقدوا الحسّ الانسانيّ والوطني، وسط صمت شعبي بعد الإصابة بالإحباط وشبه فقدان الأمل بالإصلاح”.

ويخلص سليمان إلى أنه “من الضروري حصول الانتخابات في موعدها في وقت ما أقدم عليه مجلس النواب بتحديد موعد الانتخابات في 27 آذار مخالف للدستور، لأن تحديد الموعد يأتي عبر وزير الداخلية وذلك من خلال مرسوم بالتفاهم مع رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وليس عبر مجلس النواب الذي تصرّف وكأنّ التوصية صدرت بقرار منه وعدّل مهل قانون الانتخابات بضوء التوصية. هذا مخالف للدستور. أعتقد أن هناك خطة قائمة على شرذمة الأوضاع من أجل التمديد للمجلس النيابي بذريعة عدم الاتفاق على إجراء الانتخابات”.

بواسطة
مجد بو مجاهد
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى