الاجتماع الأول لحكومة ميقاتي اليوم… هل تنجح بفك عزلة لبنان المالية ؟(الديار 13 أيلول)

كتب جاسم عجاقة في “الديار”:
لبنان شبه معزول مالياً نتيجة قرارات حكومية عشوائية غير مدروسة. الدولار لم يعد يتدفّق إلى لبنان بالطريقة التي كان يتدفّق بها في الماضي والسؤال الوجيه: لماذا؟ حتماً سببه الأول مثلث القطيعة مع الدول الخليجية، والمواجهة مع المجتمع الدولي، وإعلان وقف دفع سندات اليوروبوندز، ومن ثم السياسات الريعية التي تمّ إتباعها، إلى الفساد المُستشري والتهريب والاحتكار، كل ذلك من العوامل أوصلت لبنان إلى هذه الحالة، وبالتالي دفعت نحو عزلة مالية قاسية على لبنان قلصت تدفقات الدولار إلى لبنان إلى مستويات لا يُمكن معها تأمين الإستيراد اللازم للشعب اللبناني.
في الداخل، فرض الإحتكار والتهريب (بكل أنواعه) تسريع الأزمة حتى وصل الأمر إلى رمي علب الحليب والأدوية المنتهية الصلاحية في القمامة في الوقت الذي يفتقد المواطن إليها. كما أن تجارة المحروقات في السوق السوداء، سحبت كل الكميات المتوافرة في السوق في الوقت الذي تمتد فيه طوابير السيارات على أبواب المحطات على مئات الأمتار وحتى على كيلومترات. كل هذا حصل في ظل فراغ سياسي وحكومي قاتل يرتقي إلى مستوى الجرائم بحق المواطن اللبناني الذي فقد خلال عامين كل ما كان يتمتع به من أمن إجتماعي ورفاهية ليُصبح المتلقي الأول للمساعدات الإنسانية في العالم!
الحكومة أبصرت النور بعد ثلاثة عشر شهراً على إستقالة سابقتها، وثلاثة وعشرين شهراً على بدء الإحتجاجات الشعبية. هذه الحكومة التي تمتلك حصرية القرار الإقتصادي، مطالبة اليوم بوضع الشق المعيشي في أول سلم أولوياتها رأفة بالناس الذين هم أساس وسبب وجودها.
الإهتمام بالشق المعيشي يعني بعبارة بسيطة تأمين حاجات المواطن الأساسية من طعام وأدوية وطبابة ومحروقات وتعليم. هذه الحاجات هي أساسية لكي يعيش الإنسان بكرامته. هذا الأمر هو أساسي مع رفع الدعم شبه الكامل في منتصف الشهر الجاري وبالتالي لا إمكانية لإنتظار أية حلول متوسطة أو بعيدة الآمد. وهذا الأمر يفرض تأمين دولارات للإستيراد ووقف الإحتكار والتهريب في وقت قياسي لا يتخطّى عدّة أيام، لذا نرى من الضروري القيام بخطوات ضرورية على سبيل المثال لا الحصر :
أولا – الطلب من المصدرين إعادة دولاراتهم إلى القطاع المصرفي اللبناني وهو ما يتطلّب من الحكومة ضمان حرية تنقل هذه الأموال في كل مرّة يُريد أصحابها إستيراد مواد أولية. بالطبع، مع الإشارة إلى إمكانية الاستفادة من مبلغ الـ 860 مليون دولار أميركي حصة لبنان من برنامج صندوق النقد الدولي والتي يُمكن اللجوء إلى قسم منها إذا ما تمّ تأخير تنفيذ الإجراءات.
ثانيًا – ضرب الإحتكار والتهريب عبر إعطاء القوى الأمنية والجيش مُهمّة مكافحة هذه الظواهر التي ترفع الأسعار وتُفقد السوق من الدولارات.
هاتان الخطوتان كفيلتان بحلّ المُشكلة مبدئياً أو بمعنى آخر فرملة التدهور الحاصل قبل بدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي وهو ما سيؤمّن حلاً مستدامًا من خلال حل مُشكلة الدين العام، والمالية العامة كما وإعادة جذب الإستثمارات بهدف تشجيع الإقتصاد.
بالتوازي مع ذلك، إن التفاوض مع صندوق النقد الدولي والذي أصبح شرطا لأي مساعدة خارجية، هو الخطوة الثانية التي يتوجّب على حكومة الرئيس ميقاتي القيام بها. عمليًا، هناك إلزامية لوضع رؤية واضحة لموضوع التفاوض وإستراتيجيته والذهاب إلى المفاوضات برؤية موحدة، لأن غياب هذا الأمر يعني أننا سنقع في نفس المُشكلة التي وقعت بها حكومة الرئيس حسان دياب. لكن الأساس في هذه العملية أن لا تكون خطة الرئيس ميقاتي مبنية على خطة حكومة دياب والتي تنصّلت من كل ديونها وحمّلتها إلى القطاع المصرفي وكبار المودعين. الخطأ الكبير الذي تمّ إرتكابه هو وقف دفع سندات اليوروبوندز (وهي أموال اللبنانيين بالدرجة الأولى) بالإضافة إلى الدعوة إلى تصفير رأسمال مصرف لبنان والقطاع المصرفي. هذا الخطأ المنهجي إنسحب على ثقة الأسواق – والأهم ثقة الناس – بالقطاع المصرفي مما أدّى إلى تحويل مُشكلة السيولة إلى مشكلة ملاءة. ولا نعلم إذا كانت حكومة الرئيس حسان دياب على علم بأن القوانين تعفي المصارف من إلتزاماتها تجاه المودعين في حال إفلاسها! من هذا المنطلق، كيف يُمكن تصفير رأسمال المصارف بدعوى المحافظة على أموال المودعين؟ إن حاكم مصرف لبنان تعهّد في إحدى مقابلاته التلفزيونية بعدم السماح بإفلاس أي مصرف، وبالتالي يتوجّب إعادة إحياء هذا القطاع مع محاسبة كل من تجرأ من خلال قراراته المتهورة إلى جر البلاد إلى المستنقع الحالي.


