أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

عندما تنقاد الشعوب إلى التدمير الذاتيّ: من التجربة الألمانية إلى اللبنانية (الجمهورية 19 تشرين الأول)

يتميَّز الشعب اللبناني بنسبة عالية من الرقيّ والثقافة والمعرفة، طالما ميّزته في محيطه العربي، وجعلته سبّاقاً في الكثير من الميادين، ليس أقلّها في نسبة المتعلمين وعراقة الجامعات والمؤسسات التعليمية. كذلك تميّز لبنانيّو الاغتراب بنجاحات في غالبية الدول التي استقرّوا فيها، ووصل الكثيرون منهم إلى مناصب رفيعة جداً، وبَنوا امبراطوريات تجارية، وتميّزوا هناك أيضاً بنشرهم الثقافة اللبنانية في الميادين المتنوّعة. والأمثلة على ذلك لا تُحصى.

وهنا تظهر الإشكالية: كيف لهذا الشعب المتميّز أن يفشل داخل بلده في بناء دولة، وكيف له أن يفشل في التعايش بين مكوّناته، وكيف أن يقود دولته إلى الانهيار التام، فباتت تُصنَّف كدولة فاشلة

الإشكالية ذاتها طرحت نفسها مع الشعب الألماني، وهو شعب متفوّق أبدع في الاختراعات العلمية المتعدّدة، كما أسّس لكثير من العلوم الإنسانية، منها الفلسفة والرومنسية والموسيقى، وعلى الرغم من ذلك انتَخَب هتلر على رأس دولته، وأيّد العقيدة النازية التي تتعارض مع المبادئ الإنسانية البديهية، والتي تقوم على أسس تتعارض مع أبسط القواعد العلمية.

ويمكن التوسّع في المقارنة إلى تنظيم «حزب الله» في لبنان، الذي هو أيضاً تبنّى خيارات تقوم على بناء فكري غير منطقي، فقاد طائفته ولبنان في مسار انتحاري، وكذلك سعيه إلى قيام نظام سياسي ترفضه غالبية الشعب اللبناني، أو أن يكون رأس حربة ضدّ إسرائيل، معلناً الحرب عليها، وواضعاً الشعب اللبناني في فوّهة المدفع، الأمر الذي قاد البلاد إلى الدمار والهزيمة. هكذا سارت ألمانيا مع النازية وسار لبنان اليوم إلى التدمير الذاتي. استكشفالتاريخ

وما زال المفكّرون وعلماء الاجتماع يسعون حتى اليوم إلى فهم الدوافع التي حدت بالشعب الألماني إلى أن يسير وراء هتلر في خياراته العسكرية التي أدّت إلى سحق ألمانياً شعباً وبُنى، ودمّرت أوروبا وأوقعت عشرات الملايين من القتلى. ويُعتبر موقف الشعب الألماني هذا من أبرز الأحاجي السياسية والنفسية في القرن العشرين.

وقد حاول مفكّرون فهم هذه الظاهرة والإجابة عن السؤال: لماذا؟ ويمكن في حال ألمانيا العودة إلى كتابات الفيلسوف كارل جاسبرز والفيلسوفة هنّا إرندت، وكذلك إلى مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهوركهيمر) وعالم الاجتماع فيلهلم رايش، وغيرهم، من الذين حاولوا تفسير الظاهرة الألمانية. ويمكن أن نستنتج من خلاصات هؤلاء المفكرين حيال ألمانيا بعض ما نعيشه في لبنان: المسؤولية الإجرامية للمسؤولين النازيّين الذين خرقوا القوانين وتمّت محاكمتهم في نورنبرغ؛ مسؤولية الشعب في الصمت عن أعمال حكومته، إذ إنّ هناك مسؤولية لكل مواطن أمام ضميره؛ سيطرة النظام على الفضاء العام من خلال وسائل إعلام خاضعة وتابعة وتغييب أصوات المعارضة؛ استغلال الخوف عند الشعب الألماني من توسّع الشيوعية وتفاقم الأزمة الاقتصادية؛ غياب الفكر النقدي عند المواطن وتسفيه الأعمال السيّئة…

يمكن أن نجد بعض هذه العناصر في لبنان من مسؤولية الحكام وسعيهم إلى المصالح الشخصية، وتعميم نظام الزبائنية بديلاً من الدولة، والتخويف من الآخر الشريك في الوطن، ووضع اليد على وسائل الإعلام…

ولا تزال ألمانياً حتى اليوم تسعى لاستيعاب أمثولات تلك الحرب، وتعمل لتحاشي الوقوع في الأخطاء التي قادت عقيدة سلبية إلى الوصول إلى السلطة، وقد بنت نظاماً سياسياً جديداً وعمَّمت قِيَماً اجتماعية جديدة لتحصين مجتمعها.

في لبنان ما زلنا منذ خمسين سنة ندور في دوّامة واحدة، ولبنان يستمر في الغرق. الشعب اللبناني ما زال يُعيد انتخاب الطبقة السياسية ذاتها التي قادته إلى الحروب والإنهيار؟ و«حزب الله» لم يتعلّم من تجارب الحروب المتعدّدة التي خاضها ضدّ إسرائيل وفي سوريا وغيرها

في مقابل، الوعي المطلوب من الشعوب لتحاسِب وتسائل حُكّامها، وتقع على القادة ومَن يتسلّم زمام السلطة المسؤولية الأولى في قيادة شعوبهم وفي بناء دولهم. لبنان بحاجة إلى قيادات تستخلص عِبَر الحرب التي نعيشها منذ عام 1975. و«حزب الله» بحاجة إلى مرشد يعيده إلى الخط اللبناني على خطى الإمام محمد مهدي شمس الدين وإلى «وصاياه».

لن نحلم بمحاكمة على غرار نورنبرغ للمسؤولين اللبنانيّين الذين تسبَّبوا بالحروب العبثية في الداخل والخارج، وإن كان ذلك ضرورة للعدالة التاريخية. الشعب اللبناني يحلم بأقلّ من ذلك بكثير، ويا ليته يحصل عليه.

المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى