أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

العفو العام بين سلطة التشريع واستقلال القضاء: هل يصالح المشرّع على دعوى الحق العام؟ (الديار 7 تشرين الأول)

أعاد قانون العفو العام رقم 70/2026 فتح واحدة من أكثر المسائل القانونية حساسية في النظام الدستوري اللبناني: أين تنتهي سلطة المشرّع في العفو العام وتبدأ حرمة الوظيفة القضائية؟ وإذا كانت النيابة العامة، بموجب المادة السادسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية، لا تملك التنازل عن دعوى الحق العام أو المصالحة عليها، فكيف يجوز أن يؤدي قانون يصدر عن السلطة التشريعية إلى إسقاط هذه الدعوى ومحو عقوبات صدرت بأحكام قضائية؟

تزداد أهمية السؤال بعد تقديم «المفكرة القانونية» في 23 أيلول 2026 مذكرة إلى المجلس الدستوري بشأن القانون رقم 70/2026، ركزت فيها خصوصا على المادتين الأولى والثانية من القانون، وما تراه من إشكاليات دستورية وقانونية في نطاق العفو وصياغة استثناءاته وآثاره.

بين المادتين السادسة والعاشرة

تقول المادة السادسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية بوضوح: «تتولى النيابة العامة مهام ممارسة دعوى الحق العام. ولا يجوز لها أن تتنازل عنها أو أن تصالح عليها». فالنيابة العامة ليست مالكة للحق العام، وإنما تمارسه باسم المجتمع، ولذلك لا تستطيع أن تتصرف فيه وفق إرادتها.

لكن المادة العاشرة من القانون نفسه تنص، في المقابل، على أن دعوى الحق العام تسقط بالعفو العام.

فهل ثمة تناقض؟

في الظاهر نعم، أما في القانون فلا. فالنيابة العامة سلطة تطبيق وملاحقة، ولا تملك إنشاء قاعدة قانونية تنهي الدعوى العامة. أما المشرّع فهو صاحب الاختصاص في وضع القاعدة القانونية، والدستور نفسه نص في المادة 53 على أن العفو العام لا يُمنح إلا بقانون.

إذن، العفو العام ليس مصالحة تجريها النيابة العامة، وإنما إرادة تشريعية تؤدي إلى سقوط الحق العام بالنسبة إلى الجرائم التي يشملها القانون. لكن هذه الإجابة لا تنهي المشكلة، بل تبدأ منها.

هل يستطيع المشرّع أن يفعل ما لا تستطيع النيابة العامة فعله؟

نعم، من حيث المبدأ، يستطيع المشرّع ذلك، لأن لكل سلطة اختصاصها الدستوري. لكن الجواب ليس مطلقا؛ فالمشرّع، وإن كان يملك سلطة العفو العام، يبقى خاضعا للدستور.

فالمادة 20 من الدستور تجعل السلطة القضائية من اختصاص المحاكم، وتؤكد استقلال القضاة في إجراء وظيفتهم. وعليه، ينبغي التمييز بين أمرين:

أن يضع المشرّع قاعدة عامة ومجردة تؤدي إلى سقوط الدعوى العامة بالنسبة إلى جرائم معينة، فهذا يدخل في نطاق وظيفته التشريعية.

أما أن يتحول القانون إلى وسيلة لإلغاء نتائج قضائية محددة، أو إلى إعلان براءة أشخاص بعينهم، أو إلى الحلول محل المحكمة في تقدير المسؤولية والأدلة، فهنا تبدأ شبهة التدخل في الوظيفة القضائية. فالعفو العام لا ينبغي أن يتحول إلى قضاء تشريعي.

قانون 70/2026: أين تكمن الإشكالية؟

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قانون 70/2026، الذي نص على عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، ورتب عليه سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية المحكوم بها، كما شمل في نصه الملاحقات والأحكام والقرارات ضمن نطاق العفو.

وهنا لا يعود السؤال مقتصرا على حق المشرّع في إسقاط الملاحقة، بل يمتد إلى مدى سلطته في محو آثار أحكام قضائية سبق أن صدرت.

صحيح أن العفو العام، بطبيعته، يمكن أن يضع حدا للآثار الجزائية للجريمة، حتى بعد صدور الحكم. لكن ذلك لا يعني أن المشرّع أصبح صاحب اختصاص في مراجعة الحكم من حيث صحته أو خطئه، أو في إعادة تقييم الأدلة التي بنت المحكمة عليها اقتناعها.

فالمحكمة تقول: هذا الشخص مسؤول وفق القانون والأدلة. والمشرّع يستطيع، ضمن شروط الدستور، أن يقول: لن نرتب على هذه المسؤولية العقوبة أو الآثار الجزائية التي كانت تترتب عليها. وهذا فرق جوهري بين إلغاء الأثر الجزائي للحكم وبين إلغاء الوظيفة القضائية التي أنتجت الحكم.

مذكرة “المفكرة القانونية”: من العفو إلى حدود السلطة

تكتسب مذكرة «المفكرة القانونية» أهميتها من أنها تنقل النقاش من السؤال التقليدي: «هل العفو العام جائز؟» إلى سؤال أكثر دقة: ما الحدود الدستورية لممارسة هذا الحق؟

فالمذكرة تنتقد، بصورة خاصة، اتساع نطاق العفو، وطريقة صياغة الاستثناءات، وما تعتبره غموضاً قد يفتح الباب أمام منازعات واسعة أمام القضاء حول الجرائم المشمولة وغير المشمولة. كما ترى أن القانون، بصيغته المطعون فيها، قد يؤدي إلى إعفاء جرائم فساد في القطاع العام، بما فيها الرشوة وسوء الإدارة واستغلال الوظيفة، وهي نقطة اعتبرتها المذكرة جوهرية في الطعن.

ولا يلزم الأخذ بكل ما ورد في المذكرة حتى نستفيد من جوهرها الدستوري: العفو العام لا يفقد صفته التشريعية لمجرد أنه واسع، لكنه يصبح أكثر عرضة للرقابة الدستورية كلما ابتعد عن قاعدة عامة واضحة ومبررة بالمصلحة العامة، واقترب من تسوية ملفات أو أوضاع سياسية أو مالية محددة.

هل العفو العام مصالحة مقنّعة؟

الجواب الدقيق: ليس مصالحة بالمعنى القانوني، لكنه قد يؤدي إلى نتيجة تقترب منها. فالمصالحة تفترض أطرافا تتلاقى إراداتهم على تسوية نزاع. أما العفو العام فلا يحتاج إلى موافقة المتهم ولا إلى قبول النيابة العامة، بل يصدر بإرادة تشريعية.

لكن إذا كانت المصالحة تعني، في جوهرها، تنازل صاحب الحق عن المطالبة به، فإن العفو العام يمثل نوعًا من التنازل التشريعي عن استعمال حق الدولة في العقاب.

ومن هنا تظهر المفارقة: ما لا تستطيع النيابة العامة فعله منفردة، يستطيع المشرّع أن يقرره بقانون، لأن مصدر السلطة مختلف. غير أن هذا لا يمنح المشرّع حصانة من الرقابة الدستورية.

والضحية ليست الدولة

ثمة نتيجة أخرى لا يجوز إغفالها. فقانون أصول المحاكمات الجزائية يميز صراحة بين دعوى الحق العام، التي ترمي إلى الملاحقة والعقاب، ودعوى الحق الشخصي بالتعويض عن الضرر، وهي حق للمتضرر.

لذلك، فإن سقوط الحق العام بالعفو لا يعني بالضرورة سقوط حقوق الضحايا. فالدولة تستطيع أن تعفو عن العقوبة، لكنها لا تصبح، بمجرد ذلك، مالكة لحقوق الأفراد في التعويض وجبر الضرر.

وهذا يضع أمام المشرّع قيدًا أخلاقيا وقانونيا إضافيا: ألا يتحول العفو إلى وسيلة لمحو الجريمة من ذاكرة المجتمع أو إهدار حقوق من أصابهم ضررها.

العفو حق تشريعي، وليس رخصة لممارسة القضاء

إن القول إن كل عفو عام يشكل تدخلا في عمل القضاء قول غير دقيق؛ فالدستور نفسه أجاز العفو العام بقانون.

لكن القول المعاكس، أي إن المشرّع يستطيع باسم العفو أن يمحو كل أثر قضائي وأن يفعل ما يشاء، أكثر خطورة.

والفاصل بين الأمرين هو طبيعة ممارسة سلطة العفو:

فإذا كان المشرّع يضع قاعدة عامة ومجردة تحقيقاً لمصلحة عامة، فهو يمارس وظيفة تشريعية. أما إذا تحوّل القانون إلى وسيلة للحكم على أشخاص محددين، أو تعطيل أحكام قضائية لذاتها، أو إجراء تسوية سياسية أو مالية تحت ستار العفو، فإنه يقترب من ممارسة وظيفة قضائية لا يملكها.

ولعل أهمية قانون 70/2026 اليوم تكمن تحديدا في أن المجلس الدستوري أوقف مفعوله بالقرار رقم 10/2026 الصادر في 10 أيلول 2026، بانتظار البت بالطعن.

وعليه، فإن المسألة التي تنتظر الحسم ليست: هل يملك مجلس النواب حق منح العفو العام؟ فهذا أمر حسمه الدستور.

بل السؤال الأعمق هو: هل يملك المشرّع، حين يمارس حق العفو، أن يتجاوز الحد الفاصل بين التشريع والقضاء، فيتحول من واضع للقاعدة إلى صاحب قرار في مصير أحكام قضائية وحقوق مترتبة عليها؟

وهنا تحديداً يصبح العفو العام اختبارا حقيقيا لمبدأ فصل السلطات، لا استثناءً منه.

 

بواسطة
د. علي محمود الموسوي
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى