توقيف ضابط سوريّ سابق في لبنان: الاسترداد بين القانون اللبناني والالتزامات الدولية (الجمهورية 13 آب)

أعاد توقيف اللواء السوري المتقاعد عادل عيسى في لبنان، استناداً إلى مذكّرة توقيف غيابية صادرة عن القضاء السوري، فتح ملف الاسترداد القضائي بين لبنان وسوريا. ولا تكمن المسألة القانونية في وجود مذكّرة توقيف أجنبية فحسب، بل في تحديد الأصول التي يتوجب على السلطات اللبنانية اتباعها، قبل تقرير إبقاء الموقوف قيد التوقيف أو تسليمه إلى الدولة الطالبة. والقاعدة الأساسية، أنّ المذكّرة القضائية الأجنبية لا تتمتع، بذاتها، بقوّة تنفيذية مباشرة على الأراضي اللبنانية. فالاسترداد يخضع للاتفاقيات النافذة بين الدولتَين وللقانون اللبناني، وفي مقدّمها اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، إلى جانب قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني.
الاسترداد إجراء قانوني مستقل عن مذكرة التوقيف،
أقامت اتفاقية الرياض نظاماً متكاملاً للتسليم. فالمادة 38 تقرّر تعهُّد الأطراف بتسليم الأشخاص الملاحقين أو المحكوم عليهم لدى دولة متعاقدة أخرى، لكنّها تربط ذلك صراحةً بالقواعد والشروط المحدَّدة في باب التسليم.
وتُحدِّد المادة 40 الأشخاص الذين يجوز طلب تسليمهم، بما في ذلك مَن وُجِّه إليهم اتهام عن أفعال معاقَب عليها في قانونَي الدولتَين، أو المحكوم عليهم بعقوبة سالبة للحرّية وفق الشروط المحدّدة في الاتفاقية.
أمّا المادة 42، فتفرض أن يُقدّم طلب التسليم كتابة، وأن يُرفَق بالمستندات اللازمة، وفي مقدّمتها أمر القبض أو الحكم، وبيان هوية المطلوب، ووصف الأفعال وتاريخها ومكانها وتكييفها القانوني.
بالتالي، فإنّ وجود مذكرة التوقيف السورية لا يحسم قانوناً مسألة التسليم، بل يوجب الانتقال إلى فحص طلب الاسترداد واستيفائه الشروط الشكلية والموضوعية التي حدّدتها الاتفاقية. وهذا يتفق مع القانون اللبناني، إذ أناطت المادة 17 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بالنائب العام لدى محكمة التمييز، إعداد ملفات استرداد المجرمين وإحالتها إلى وزير العدل مشفوعة بتقاريره.
التوقيف المؤقت لا يساوي قرار الاسترداد
أجازت المادة 43 من اتفاقية الرياض التوقيف المؤقت في حالات الاستعجال، بناءً على طلب الدولة الطالبة، إلى حين وصول طلب التسليم ومستنداته. لكنّ هذا التوقيف ذو طبيعة تحفظية، ولا يحسم مسبقاً نتيجة طلب الاسترداد. وتضع المادة 44 حداً واضحاً لهذا الإجراء، إذ توجِب الإفراج عن الشخص المطلوب إذا لم تصل المستندات المطلوبة أو طلب استمرار التوقيف خلال 30 يوماً من القبض عليه، ولا يجوز في أي حال أن تتجاوز مدة التوقيف المؤقت 60 يوماً.
ومن ثم، فإنّ استمرار توقيف المطلوب يجب أن يبقى مرتبطاً بالسند القانوني وبالمهل التي رسمتها الاتفاقية، ولا يمكن أن يتحوَّل إلى توقيف مفتوح لمجرّد وجود طلب قضائي أجنبي.
موانع الاسترداد واجبة الفحص
لا تجعل اتفاقية الرياض من الاسترداد نتيجة آلية. فالمادة 41 تحدِّد حالات لا يجوز فيها التسليم، ومن بينها الجرائم ذات الصبغة السياسية، والجرائم التي تنحصر في الإخلال بواجبات عسكرية، والحالات التي يكون فيها قد صدر حكم نهائي عن الدولة المطلوب إليها التسليم، بالإضافة إلى حالات أخرى حدّدتها المادة.
وهنا تبرز أهمّية التكييف القانوني للأفعال المنسوبة إلى عيسى. فإذا كانت الأفعال المدّعى بها جرائم قتل أو تعذيب أو جرائم دولية جسيمة، فلا يكفي وصفها السياسي أو العسكري لإخراجها من نطاق الجرائم القابلة للاسترداد، بل يتعيَّن فحص الفعل المحدَّد وتكييفه وفق القانون النافذ. وتتولّى الجهة المختصة في الدولة المطلوب إليها التسليم الفصل في الطلب وفق القانون النافذ لديها، على أن يبلغ الطرف الطالب بالقرار وأسبابه عند الرفض، وفق المادة 48 من الاتفاقية.
لا يجوز أن يصطدم الاسترداد بحظر التعذيب
يبقى القيد الدولي الأكثر وضوحاً هو اتفاقية مناهضة التعذيب التي انضمّ إليها لبنان. وتنص المادة 3 منها على أنّه لا يجوز للدولة الطرف أن تسلّم شخصاً إلى دولة أخرى، إذا توافرت أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنّه سيكون في خطر التعرُّض للتعذيب.
ولا يتطلّب تطبيق هذه القاعدة إثبات وقوع التعذيب مستقبلاً، وإنما يتطلّب تقدير ما إذا كانت توجد أسباب حقيقية وموضوعية، تجعل خطر التعذيب قائماً بالنسبة إلى الشخص المعني. كما تأمر المادة نفسها السلطات المختصة بأخذ جميع الاعتبارات ذات الصلة في الحسبان، بما فيها وجود نمط ثابت من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الدولة المعنية.
وعليه، فإنّ استيفاء طلب الاسترداد لشروط اتفاقية الرياض لا يكفي وحده لجواز التسليم. إذ يبقى على السلطات اللبنانية إجراء اختبار مستقل لمدى توافق التسليم مع المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
استقلال القرار القضائي شرط لصحة المسار
تكتسب هذه الضمانات أساساً دستورياً في لبنان. فالمادة 20 من الدستور تنص على أنّ السلطة القضائية تتولّاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها، وتحفظ للقضاء وللمتقاضين
الضمانات اللازمة، كما تقرّر استقلال القضاة في إجراء وظيفتهم.
بالتالي، فإنّ قرار الاسترداد، وإن كان يتصل بعلاقة لبنان بدولة أجنبية، لا يجوز أن يتحوَّل إلى قرار سياسي يحل محل الآلية القانونية. فالمطلوب هو تطبيق الاتفاقية والقانون، والتحقق من شروط الطلب وموانعه، ثم اتخاذ القرار من المرجع المختص ضمن حدود اختصاصه.
الخلاصة القانونية
تؤدي القواعد السابقة إلى نتيجة محدَّدة:
أولاً: المذكّرة السورية تشكّل أساساً لطلب التعاون، لكنّها لا تُنفّذ بذاتها في لبنان.
ثانياً: يجب فحص طلب الاسترداد ومستنداته وفق المواد 38 و40 و42 من اتفاقية الرياض، وبموجب الأصول اللبنانية، ولا سيما المادة 17 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
ثالثاً: التوقيف المؤقت يخضع لشروط ومهل المواد 43 و44، ولا يجوز أن يتحوَّل إلى توقيف غير محدَّد المدة.
رابعاً: يجب التحقق من موانع الاسترداد المنصوص عليها في المادة 41، ومن التكييف القانوني الدقيق للأفعال المنسوبة إلى المطلوب.
خامساً: حتى عند استيفاء شروط اتفاقية الرياض، يمتنع التسليم إذا توافرت أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنّ الشخص سيكون معرَّضاً للتعذيب، عملاً بالمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
وعليه، فإنّ المخرج القانوني من القضية ليس في تبنّي موقف سياسي من الشخص أو من السلطات السورية، بل في إخضاع طلب الاسترداد لاختبار قانوني متدرّج: صحة الطلب، استيفاء شروطه، انتفاء موانعه، ثم توافق التسليم مع الالتزامات الدولية للبنان. فإذا اجتاز الطلب هذه الاختبارات، جاز السَير في الاسترداد وفق الأصول. وإذا فشل في أحدها، وجب ترتيب الأثر القانوني الذي يقرّره القانون.



