خاص – تقسيط المفعول الرجعي لزيادات المعاشات… هل تنجح الخزينة في احتواء الكلفة؟

مع توجه الحكومة إلى تقسيط المفعول الرجعي لزيادات المعاشات، يبرز السؤال حول قدرة الخزينة على تحمّل هذه الكلفة، وما إذا كان هذا الإجراء يشكل حلًا ماليًا مستدامًا أم مجرد خطوة مرحلية لتخفيف الضغط عن المالية العامة، في ظل فجوة تمويلية قائمة وتحديات مرتبطة بالإيرادات والإنفاق.
وفي هذا السياق، اعتبر عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والخبير الاقتصادي د. أنيس بو ذياب في حديث لموقعنا Leb Economy أن “تقسيط المفعول الرجعي يشكل أحد الخيارات المطروحة لتخفيف الضغط المالي”، موضحًا أن “الزيادة المستحقة عن الفترة الممتدة من الأول من آذار حتى 30 آب تبلغ نحو 420 مليون دولار، ومن المقرر تقسيطها مبدئيًا على مدى سنة، وفق ما أُقِرَّ في مجلس الوزراء”.

وأشار إلى أن ”هذا الإجراء يأتي لتجنب تشكيل ضغط إضافي على سعر صرف الليرة اللبنانية، وكذلك الحد من زيادة الاستهلاك التي قد تؤدي إلى ارتفاع الاستيراد، وبالتالي زيادة العجز في ميزان المدفوعات، بما ينعكس بدوره على سعر صرف العملة الوطنية”.
ولفت إلى أن “هذه المخاوف تكتسب أهمية أكبر في ظل تراجع الإيرادات المتوقعة من القطاع السياحي خلال موسم الصيف نتيجة الظروف الأمنية، بعدما كان معولًا عليه لتأمين إيرادات مالية كبيرة”.
كما أشار بو ذياب إلى أن “تحويلات المغتربين تراجعت، ولو بشكل طفيف، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي أدى إلى زيادة فاتورة الاستيراد النفطية بنحو 20%”.
واعتبر أن “هذه العوامل مجتمعة دفعت الحكومة إلى اعتماد تقسيط المفعول الرجعي للزيادة”، مؤكدًا في المقابل أن “هذا الحل لا يمثل الخيار الأمثل أو حلًا مستدامًا لمشكلة التمويل”.
وكشف بو ذياب عن أن “الزيادة السنوية في المعاشات تقدر بنحو 750 إلى 800 مليون دولار”، مشيرًا إلى أن “زيادة الرسوم على المحروقات والبنزين، التي أُقرت في 16 شباط، تؤمّن للخزينة نحو 450 إلى 500 مليون دولار، ما يترك فجوة تقدر بنحو 300 مليون دولار”.
وشدد على أن “سد هذه الفجوة من خلال زيادة الأعباء الضريبية ليس الحل المناسب، لأن رفع الضرائب يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية”، معتبرًا أن “الحل الأمثل يكمن في تحسين الجباية والبدء بالقضاء على ما يُعرف بـ”اقتصاد الظل”، أي النشاط الاقتصادي غير المفوتر وغير الخاضع للضريبة، لما يسببه من خسائر للخزينة ويؤثر في التنافسية”.
وأوضح بو ذياب أن “معالجة هذا الملف تتطلب ضبط المسار الجمركي والضريبي، بدءًا من الجمارك وصولًا إلى ضريبة القيمة المضافة (TVA)، عبر اعتماد أدوات فعلية لضبط حركة التحصيل الجمركي والضريبي”.
وأشار كذلك إلى إمكانية زيادة الإيرادات من الأملاك البحرية، في ظل الحديث تاريخيًا عن هذا الملف، معتبرًا أن “ذلك يمكن أن يشكل أحد مصادر التمويل بدلًا من تحميل المواطنين أعباء ضريبية إضافية”.
وأكد أن “الحل الأمثل على المدى الأبعد يتمثل في إعادة هيكلة القطاع العام وزيادة إنتاجيته، إلى جانب العمل على تحويل المؤسسات والقطاعات العامة من مؤسسات خاسرة إلى مؤسسات رابحة، بما يساهم في تخفيف العجز وتأمين موارد أكبر لتمويل الرواتب”.
وختم بو ذياب بالتشديد على أن “رفع إنتاجية القطاع العام يشكل العامل الأهم في تخفيف الأعباء المالية عن الدولة، من خلال تقليص الخسائر وتحسين الإيرادات بدلًا من الاستمرار في زيادة الأعباء على المواطنين”.



