هل يطرح لبنان عقاب إيران بأصولها المجمّدة؟ (الجمهورية 12 حزيران)

يكشف ديبلوماسي مطلع على مسار المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية المباشرة الجارية في واشنطن، لـ»الجمهورية»، أنّ النقاشات الإقليمية والدولية لم تعُد تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو معالجة الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية، بل بدأت تتناول للمرّة الأولى ملفات أكثر عمقاً، تتصل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها، وبكيفية معالجة الأكلاف السياسية والاقتصادية الهائلة، التي ترتبت لعقود من استخدام لبنان كساحة صراع إقليمي.
ويعتقد الديبلوماسي، أنّ إحدى القضايا التي يُفترض أن تبدأ الدولة اللبنانية بالتعامل معها بجرأة سياسية وقانونية، تتمثل في ملف الأصول والأموال الإيرانية المجمّدة حول العالم، ليس من زاوية العقوبات على إيران أو الصراع الأميركي – الإيراني، بل من زاوية الحقوق اللبنانية التي جرى انتهاكها على مدى سنوات طويلة، نتيجة تحويل لبنان إلى منصة متقدِّمة للمواجهة الإقليمية.
ويُضيف: «حين نتحدَّث عن السيادة، لا يكفي أن نطالب بانسحاب أو وقف اعتداء أو ترسيم حدود. السيادة تعني أيضاً حق الدولة في منع أي دولة أجنبية من تمويل قوى عسكرية موازية لمؤسساتها الشرعية، وحق الشعب في أن يعيش ضمن دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم». وبحسب الديبلوماسي، فإنّ المجتمع الدولي يمتلك اليوم أدوات قانونية ومالية غير مسبوقة، يمكن أن تسمح بطرح ملف التعويضات اللبنانية بصورة مختلفة تماماً عن أي مرحلة سابقة.
أموال ضخمة خارج متناول طهران
تشير التقديرات الدولية، إلى أنّ حجم الأصول الإيرانية المجمّدة أو المقيّدة بفعل العقوبات الأميركية والدولية يتراوح بين 100 و120 مليار دولار، موزَّعة بين الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا ودول الشرق الأوسط. هذه الأموال تشمل عائدات نفطية، احتياطات مالية، أصولاً استثمارية، وأموالاً خضعت للمصادرة أو التجميد بسبب العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، تمويل التنظيمات المسلحة، عمليات الالتفاف على العقوبات، وغسل الأموال.
ويؤكّد الديبلوماسي، أنّ هذه الأصول بقِيت طوال سنوات جزءاً من المساومات المرتبطة بالملف النووي الإيراني، لكنّ التطوُّرات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة تفرض مقاربة جديدة تنطلق من سؤال مختلف: ماذا عن الدول التي دفعت أثماناً مباشرة نتيجة السياسات الإيرانية؟ ويتابع: «من حق اللبنانيين أن يسألوا لماذا يُختصر الحديث بالأضرار التي لحقت بإيران نتيجة العقوبات، فيما يتمّ تجاهل الأضرار التي لحقت بلبنان نتيجة تحويل أراضيه إلى ساحة مواجهة مفتوحة؟».
فخلال العقود الماضية، تكبَّد لبنان خسائر بشرية واقتصادية تُقدَّر بأكثر من 30 مليار دولار نتيجة الحروب المتكرّرة المرتبطة بالصراع الإيراني – الإسرائيلي. كما تعرَّض اقتصاده لانهيارات متتالية وتراجعت الاستثمارات والسياحة وفرص النمو، فيما تضرَّرت البُنية التحتية بصورة مباشرة في جولات القتال الأخيرة. ويعتبر الديبلوماسي أنّ جوهر القضية لا يتعلّق بالسياسة فقط، بل بمفهوم المسؤولية الدولية: «إذا كانت دولة أجنبية موَّلت وسلَّحت ودعمت بُنية عسكرية خارج سلطة الدولة اللبنانية («حزب الله»)، وإذا كانت هذه البُنية ساهمت في إدخال لبنان في حروب وصراعات متكرّرة، فمن الطبيعي أن يطرح اللبنانيّون مسألة التعويض وإعادة الاعتبار للسيادة التي جرى انتهاكها».
ويكشف، أنّ بعض الأوساط السياسية والديبلوماسية الغربية بدأت تتداول أفكاراً غير رسمية، تقوم على إنشاء صندوق دولي خاص بلبنان، يُموَّل من جزء من الأصول الإيرانية المجمّدة، في حال توافرت الظروف القانونية والسياسية المناسبة مستقبلاً.
ولا يُطرح الأمر كعقوبة جماعية ضدّ إيران، بل باعتباره آلية تعويضية مشابهة لنماذج اعتمدها المجتمع الدولي في حالات نزاعات وحروب سابقة. ويشرح، أنّ الفكرة تقوم على تخصيص جزء من هذه الأموال لصندوق يخضع لإدارة دولية صارمة، تشارك فيها الولايات المتحدة ودول عربية ومؤسسات أممية، على أن تُستخدم الأموال حصراً في إعادة إعمار المناطق المتضررة، تعزيز قدرات الجيش اللبناني، تطوير البُنية التحتية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ويضيف: «إذا كانت مليارات الدولارات قد أُنفقت خلال عقود على تعزيز نفوذ جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة، فمن المنطقي أن تُستخدم مليارات أخرى اليوم لإعادة بناء الدولة نفسها».
سوابق دولية قائمة
ويشير الديبلوماسي، إلى أنّ الفكرة ليست خيالية أو غير مسبوقة. فبعد الغزو العراقي للكويت أُنشئت آليات دولية لتعويض المتضرّرين من عائدات الدولة العراقية. كما جرى التعامل مع أصول ليبية مجمّدة بعد سقوط نظام معمّر القذافي، واستُحدثت ترتيبات خاصة لإدارة جزء من الأموال الأفغانية المجمّدة بهدف خدمة الشعب الأفغاني بعيداً من سلطة طالبان.
أمّا مشروع «مارشال» الذي أعاد بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد شكّل النموذج الأشهر لتحويل نتائج الحروب إلى مشاريع تنمية واستقرار طويلة الأمد. ويؤكّد الديبلوماسي نفسه: «كل التجارب الناجحة في التاريخ انطلقت من مبدأ واحد: الأموال التي تُستخدم لتغذية النزاعات يمكن تحويلها إلى أدوات لإنتاج السلام».
ماذا يجب أن يفعل لبنان؟
بحسب الديبلوماسي، فإنّ الخطوة الأولى لا تبدأ في واشنطن أو نيويورك بل في بيروت. ويقول: «المشكلة أنّ لبنان اعتاد المطالبة بالمساعدات. لكنّ المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق المساعدات إلى منطق الحقوق». فالدولة اللبنانية مطالبة أولاً بإعداد ملف قانوني وسيادي متكامل، يوثّق الخسائر التي لحقت بها نتيجة وجود قوى مسلّحة خارج سلطتها، ويحدّد بدقة حجم الأضرار الاقتصادية والمالية والبشرية التي تكبّدها لبنان.
كما ينبغي إطلاق نقاش رسمي حول مفهوم التعويضات المرتبطة بانتهاك السيادة، تماماً كما تفعل دول عديدة تعرّضت لتدخّلات خارجية أو حروب بالوكالة، خصوصاً أنّ إيران لا تزال تنتهك قرارات الدولة اللبنانية برفض اعتماد سفيرها في لبنان، لكنّه لا يزال يصول ويجول في الضاحية الجنوبية لبيروت.
ويختم الديبلوماسي حديثه بالقول، إنّ «هذا الطرح قد يبدو جريئاً اليوم، لكنّ أكثر الأفكار التي غيّرت العالم كانت تبدو مستحيلة في بداياتها. والابتكار السياسي الحقيقي لا يكمن في إدارة نتائج الحروب فقط، بل في تحويل كلفتها إلى فرصة لإعادة بناء الدول التي دفعت أثمانها».



