أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

حرب الممرات البحرية ضغط على الأمن الغذائي اللبناني( الأخبار 4 أيار)

لبنان من بين الدول الأكثر عرضة لتداعيات أي اضطراب في الملاحة الدولية، لأنه يستورد أكثر من 80% من حاجاته السلعية من الخارج. نحو 48.6% من الكميات المستوردة تمرّ عبر ثلاثة ممرّات بحرية أساسية، بينها مضيق هرمز. هذا يعني أن أي خلل في هذه الممرات ينعكس مباشرة على السوق المحلية، سواء عبر الأسعار أو عبر توافر السلع.

كيف يتأثر لبنان؟ في الشق التجاري، تبدأ الانعكاسات أولاً من الكلفة. فبحسب تقرير «مضيق هرمز في الحرب» الصادر عن مركز الاستشارات والدراسات والتوثيق، ترتفع أقساط التأمين على السفن وتكاليف الشحن فوراً مع تصاعد المخاطر، ما يخلق موجة تضخمية تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع.

من ناحية أخرى، وبما أن سوق النفط العالمي مترابط وغير مجزّأ، فإن أي نقص في الإمدادات يرفع الأسعار عالمياً، وينعكس مباشرة على لبنان، حيث يظهر ذلك سريعاً في كلفة النقل والكهرباء والسلع الأساسية، حتى قبل حصول أي نقص فعلي في الإمدادات. لكن الخطر لا يقف عند الأسعار.

فمع تفاقم الاضطراب، يتحوّل إلى مشكلة في تدفّق السلع نفسها. وهنا تبرز أهمية أرقام الاستيراد. فبحسب تقرير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، استورد لبنان في عام 2025 نحو 15.9 مليون طن من السلع، بقيمة إجمالية تقارب 21 مليار دولار. وتشمل هذه الواردات سلعاً أساسية مثل المشتقات النفطية، القمح، المواد الغذائية الطازجة والمعلّبة، إضافة إلى المواد الأولية للصناعة.

جزء مهم من هذه الواردات مرتبط مباشرة بمضيق هرمز. إذ بلغت صادرات دول الخليج إلى لبنان نحو 1.6 مليون طن، بقيمة تقارب 2.9 مليار دولار في عام 2025. وتشمل هذه السلع مروحة واسعة، من المشتقات النفطية، إلى المنتجات الغذائية، وصولاً إلى السلع ذات القيمة المرتفعة، مثل المعادن الثمينة التي بلغت وحدها نحو 27 طناً بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار. وهذا يعني أن أي تعطّل في هذا المسار لا يضغط فقط على الأسعار، بل قد يهدّد توافر سلع أساسية في السوق.

بمعنى آخر، الصدمة التجارية تمرّ بمرحلتين. أولاً ارتفاع الكلفة، وثانياً احتمال النقص الفعلي في البضائع. وفي اقتصاد مثل لبنان، لا يمتلك إنتاجاً محلياً كافياً، يصبح الانتقال من الأولى إلى الثانية سريعاً.

إلى جانب ذلك، يظهر مسار آخر لا يقل أهمية، وهو مسار التحويلات المالية من الخارج التي تشكّل أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني. وتمثّل هذه التحويلات نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أحد أعلى النسب في العالم، ويأتي نحو 48% منها من دول الخليج، المرتبطة مباشرة بمضيق هرمز.

عند حدوث صدمة في هذه الدول، نتيجة تراجع صادرات النفط أو اضطراب النشاط الاقتصادي، تنخفض الإيرادات والمداخيل، ما ينعكس على سوق العمل وعلى قدرة المغتربين على تحويل الأموال. وهذا بالفعل ما تتوقعه منظمة الغذاء العالمية التي تقول إنه في حال استمرار الإغلاق لثلاثة أشهر، يتوقع أن ينهار الدخل الحقيقي للأسر في دول الخليج بنسبة تتراوح بين 14.4% و18.3%. وبالتالي، يتراجع تدفّق الدولار إلى لبنان. هذه النقطة أساسية، لأن التحويلات من الخارج هي مصدر رئيسي للعملة الصعبة التي تغذّي السوق وتسهم في استقرار سعر الصرف.

تراجع هذه التحويلات، ينقل الأزمة إلى مكان مختلف، إذ يضعف عرض الدولار، ويزداد الضغط على الليرة، وترتفع الأسعار أكثر. أي إن الأزمة لا تبقى محصورة في كلفة الاستيراد، بل تتحول إلى أزمة نقدية أيضاً.

بهذا المعنى، يتأثر لبنان عبر مسارين متكاملين. الأول تجاري، يبدأ بارتفاع الأسعار وقد ينتهي بنقص السلع. والثاني مالي، يبدأ بتراجع التحويلات وينعكس ضغطاً على سعر الصرف والتضخم. وفي تقاطع هذين المسارين، تتكوّن الأزمة الفعلية. فلبنان لا يواجه فقط ارتفاعاً في كلفة الاستيراد، ولا فقط تراجعاً في تدفّق الدولار، بل الاثنين معاً. وهذا ما يجعل أي اضطراب في مضيق هرمز يتحوّل سريعاً من حدث خارجي إلى أزمة معيشية داخلية.

وإذا كان إغلاق مضيق هرمز يضغط على لبنان عبر الطاقة والتجارة مع الخليج، فإن السيناريو الأخطر يتمثّل في احتمال امتداد الاضطراب إلى مضيق باب المندب، الذي يشكّل الشريان الأساسي لواردات لبنان من آسيا. فبحسب المركز العربي، تمرّ التجارة بين لبنان وعدد من الاقتصادات الآسيوية، أبرزها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا، عبر مسار بحري يعبر المحيط الهندي وخليج عدن ثم مضيق باب المندب وصولاً إلى البحر الأحمر وقناة السويس. وتُظهر الأرقام حجم هذا الاعتماد بوضوح. إذ استورد لبنان من هذه الدول نحو 960 ألف طن من السلع، بقيمة تقارب 3.88 مليارات دولار. وتتصدر الصين هذه القائمة بصادرات بلغت 360 ألف طن بقيمة 2.4 مليار دولار، تليها الهند بـ127 ألف طن بقيمة 396 مليون دولار، ثم إندونيسيا بـ105 آلاف طن بقيمة 156 مليون دولار.

وتشمل هذه الواردات سلعاً أساسية ومتنوعة، من المعادن ومصنوعاتها (كالحديد والنحاس والألمنيوم)، إلى المنتجات الكيميائية (مثل الأدوية والأسمدة)، وصولاً إلى الآلات والأجهزة الكهربائية ومعدات النقل والملابس والمواد النسيجية.

بمعنى آخر، إذا كان إغلاق هرمز يرفع كلفة ما يصل إلى لبنان، فإن تعطّل باب المندب قد يهدد وصول هذه السلع أساساً. وهنا تكمن الخطورة، في ارتفاع الأسعار من جهة، واحتمال نقص في السلع من جهة أخرى، ما يضع السوق اللبنانية أمام ضغط مزدوج في أكثر مفاصلها حساسية.

بواسطة
ماهر سلامة
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى