أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

هدنة موقتة تُعيد النازحين ولا تُطمئنهم (نداء الوطن 18 نيسان)

خفتَ صوتُ الطيران الحربي، وعلت مكانه طلقاتُ الرصاص ابتهاجًا بوقف إطلاق النار، كأن الناس تحاول ملء الفراغ الذي خلّفه هدير الموت بصخب الحياة، ومع سريان الهدنة الممتدة لعشرة أيام بدءًا من مساء أمس، بدأت أولى مشاهد العودة تتشكّل على عجل، حاملةً معها مزيجًا ثقيلًا من الفرح والقلق، ومن الأمل الحذر والخوف المتجذر.

منذ ساعات منتصف الليل، تحرّكت طلائع العائدين من مراكز النزوح في دير الأحمر، القاع، ورأس بعلبك، حيث أمضى آلاف النازحين أكثر من أربعين يومًا بعيدًا من منازلهم. ومع انبلاج الصباح ارتفعت وتيرة العودة تدريجيًا بعد التأكد من تثبيت وقف إطلاق النار، فحملت العائلات ما استطاعت من أمتعة في سياراتها، وانطلقت نحو بلداتها: فلاوي، بوداي، دورس، وبعلبك، والهرمل، في مشهدٍ بدا كقافلةٍ من الانتظار الطويل وهي تعود إلى أصل الحكاية.
إلا أن هذه العودة لم تكن طبيعية، ولا مكتملة، فبخلاف ما شهدته المنطقة في حرب الإسناد عام 2024، جاءت هذه العودة محكومةً بهاجس الوقت. هدنة قصيرة بلا مؤشرات واضحة إلى التمديد أو التحول إلى وقف دائم، فرضت سلوكًا مختلفًا لدى النازحين، حيث لم تتجاوز نسبة العائدين 13%، فيما فضل القسم الأكبر التريث، أو اعتماد عودة جزئية تضمن لهم هامش الأمان.

في مراكز النزوح بقيت الغرف شبه مأهولة، وإن خفّ ازدحامها. كثيرون غادروا لكنهم تركوا خلفهم فرشًا، أغطية، وحقائب، وكأنهم يعلّقون قرار العودة الكاملة على ما ستؤول إليه الأيام المقبلة. تحوّلت هذه الغرف إلى ما يشبه حجوزات موقتة في زمن الحرب، تعكس هشاشة الواقع وانعدام اليقين.
يقول أبو علي أحد العائدين لـ”نداء الوطن”: “رجعنا عالبيت، بس مش رجعة نهائية، تركت نص أغراضي بالمركز، ما في ثقة. إذا رجع القصف، بدنا نرجع بسرعة، تعبنا من النزوح، بس كمان ما فينا نغامر بكل شي”.

على الطرقات المؤدية إلى البلدات، بدت مشاهد الفرح واضحة: أبواق سيارات، إطلاق نار ابتهاجي، رايات مرفوعة، ووجوه تبتسم بعد طول غياب، لكن خلف هذا المشهد، كانت القرى تستقبل أبناءها بندوبها المفتوحة. منازل مدمّرة، ممتلكات مفقودة، وصور أحبة غابوا في الغارات، جعلت العودة ناقصة، كأنها محاولة لترميم ما لا يُرمّم بسهولة.
في الداخل، لم تكن الخطوة الأولى نحو البيوت خفيفة، كثيرون دخلوا منازلهم بحذر، يتفقدون الجدران، يستعيدون تفاصيل المكان، ويقيسون حجم الخسارة بصمت. الفرح بالوصول امتزج بمرارة الواقع، فيما بقيت الأسئلة معلّقة: هل هذه نهاية موقتة للحرب، أم استراحة قصيرة قبل جولة جديدة؟

بين هدنةٍ محدودة وواقعٍ مثقل بالشكوك، يعيش العائدون لحظةً رمادية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا هم نازحون بالكامل، ولا هم عائدون فعلاً. إنها عودة معلّقة، مؤجلة الاكتمال، تنتظر قرارًا أكبر من عشرة أيام، أو حربًا لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

بواسطة
عيسى يحيى
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى