مكافحة الفقر تبدأ أولاً بإعادة الكرامة الإنسانية …خدمة الفقراء قبل خدمة الدين

كتبت د. نعمة جعجع في “اللواء “:
طرابلس العريقة التي شكّلت مع صيدا وصور أول إتحاد بين المدن في العالم وملتقى حضارات وثقافات على مدى العصور، واحتضنت تراث الرباط والقاهرة وبغداد، ونشأت في أرجائها 57 مدرسة صوفية، وأصبحت العاصمة الثانية للبنان الكبير، باتت اليوم محمّلة بأوجاع أهلها ومآسي الحرمان المتمادي الذي لا يسوغ لعاقل أن يصدّق ما حلّ بها.
طرابلس المشعّة جعلوها مرتعاً للفقر وساحة للصراعات، كأوراق الخريف تتقاذفها ريحٌ من هنا وعاصفة من هناك. والفقرُ ليس فقط حاجة إلى المأكل والمسكن وفرصة العمل، بل هو في الأساس تهشيم للكرامة الإنسانية حين يشعر الناس بحرارة فقدان الحرية وخضوعهم مكرهين إلى الظالمين، فيصبح الفقر مرادفاً للقهر ويُستخدم لإذلال الروح وقتل الحب وزرع الفتن.
مؤلمة تلك المشاهد التي تقطع محطات التلفزة برامجها لتبثّها مباشرةً من طرابلس وتدوّي فيها صرخات ومناشدات علّها تضيء ظلام الفقر، والأشد إيلاماً هو المواجهات المتكرّرة مع أفراد القوى الأمنية الذين ليسوا بأفضل حال من المحتجّين. بالأمس القريب سقط شهيدان دون أن يكون هناك أي تكافؤ بين الأذى المرتكب وبين الأذى الذي لحق بهما، وما أتعس مواجهة بعض الشرّ ومداواة الإثم بالعنف القاسي. فالناس لجأوا إلى الشارع خلال منع التجوّل، لأنهم يعتبرون أن الخوف من الموت جوعاً أقسى من أيّ وباء.
فهل يُدعى الفقراء إلى إلقاء سيف النقمة في أفئدة الظلمة دون أن يتمّ توسيع الحماية الاجتماعية للوصول السريع إلى الفئات الضعيفة والشروع في إنتشالها من الفقر؟ ولماذا يُمنع التجوّل كإحدى ركائز إستراتيجية مكافحة كورونا دون التفكير بمصير تلك الفئات ومساندتها في لقمة العيش كي لا يتحرك الفقراء وينقلون الفيروس إلى مناطق أخرى، فيصبح نظام الرعاية الصحية المحدود ضعيفاً للغاية.
الحلّ الأمثل والأقصر اللجوء إلى البلديات والشبكات المحلية لتوزيع الإعانات المالية التي أقرتها الحكومة ومراقبة أسعار المواد الغذائية ومدى توافرها، ومعالجة أي نقص من خلال تأمين توزيع الإعانات المالية للفئات المستهدفة.
مكافحة الفقر تبدأ أولاً بإعادة الكرامة الإنسانية، وتبقى خدمة الفقراء أقلّ كلفة من خدمة الدين العام بالتأكيد.



