كم تخسر إيران جراء حصار مضيق هرمز؟

يتخذ الصراع العسكري في المنطقة منعطفاً خطيراً بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض حصار على الموانئ الإيرانية المقرر تنفيذه عند الساعة 2 ظهراً بتوقيت غرينتش بعد فشل المفاوضات التي جرت مع طهران في إسلام آباد خلال عطلة نهاية الأسبوع، في خطوة تُحوِّل مضيق هرمز من مجرّد ممر بحري ضيق إلى صمام رئيسي تُوشِك واشنطن على إغلاقه في وجه الاقتصاد الإيراني.
تتفاقم المواجهة مع إعلان الحرس الثوري الإيراني عن عزمه تفعيل “آلية دائمة” للسيطرة على مضيق هرمز، في ظل ما وصفه بـ “التهديدات الأميركية المستمرة”، وذلك قبيل ساعات من تفعيل الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، مضيفاً أن أمن موانئ الخليج وبحر عمان “إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد”. كما اعتبر الحرس الثوري أن القيود الأميركية على حركة السفن “غير قانونية وتعد قرصنة”، وفق تلفزيون العالم الإيراني الرسمي.
وبحسب تقديرات خبراء، يمر عبر هذا الشريان الحيوي يومياً ما بين 1.8 و1.9 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات الإيرانية، إلى جانب الجزء الأكبر من تجارة سلع سنوية تتجاوز 100 مليار دولار، ما يجعل أي حصار بحري فعّال استنزافاً مباشراً لموارد طهران الاقتصادية المقدرة بمئات الملايين من الدولارات يومياً، وينذر بشكل وشيك بموجة تشدد إضافي في أسواق النفط العالمية.
حصار اقتصادي قبل الطلقات الأولى
تشير تقديرات مياد مالكي، الزميل الأول في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” في واشنطن، إلى أن الحصار البحري الأميركي لمضيق هرمز قد يكلّف إيران نحو 276 مليون دولار يومياً من الصادرات المفقودة، بالإضافة إلى تعطيل واردات بقيمة 159 مليون دولار يومياً، ليصل إجمالي الضرر الاقتصادي إلى نحو 435 مليون دولار يومياً، أو حوالي 13 مليار دولار شهرياً. وبحسب مالكي، تعتمد أكثر من 90% من تجارة إيران السنوية البالغة 109.7 مليار دولار على الخليج العربي ومضيق هرمز، فيما يشكل النفط والغاز وحدهما نحو 80% من عائدات الصادرات الحكومية وقرابة 23.7% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تحقق جزيرة خرج النفطية وحدها نحو 53 مليار دولار سنوياً من العائدات.
شريان النفط: إيرادات بمليارات تُعرَّض للمخاطر
من جهته، ذكر نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في “كابيتال إيكونوميكس” (Capital Economics)، لشبكة “سي إن إن” الأميركية أن منع صادرات النفط الإيرانية من خلال حصار مضيق هرمز سيقطع عن طهران “مصدر تمويل حيوي” للحكومة وأنشطتها العسكرية. وبحسب شيرينغ، بلغت قيمة صادرات إيران النفطية نحو 45 مليار دولار في العام الماضي، أي ما يعادل تقريباً 13% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن أي توقف شبه كامل لتصدير النفط سيترجم سريعاً إلى فجوة كبيرة في الإيرادات العامة بالعملة الصعبة.
كانت طهران قد نجحت في زيادة صادراتها النفطية منذ اندلاع الحرب الأخيرة؛ إذ تشير بيانات شركة “كبلر” (Kpler) للتحليلات والبيانات إلى أن متوسط صادرات إيران النفطية بلغ نحو 1.85 مليون برميل يومياً حتى مارس، بزيادة تقارب 100 ألف برميل يومياً عن المتوسط المسجل بين ديسمبر وفبراير. وتؤكد هذه الصورة بيانات أخرى من وكالة الطاقة الدولية، التي أشارت في تقريرها الصادر أواخر 2025 إلى أن التحميلات البحرية لإيران بلغت نحو 1.9 مليون برميل يومياً في الأشهر الأخيرة حتى ديسمبر، ما يعكس اعتماداً شبه كامل على الممرات البحرية المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز
التجارة غير النفطية.. اقتصاد مثقل بالاعتماد على البحر
لا يقتصر أثر الحصار على النفط؛ فبحسب تقديرات مالكي، يمر أكثر من 90% من تجارة إيران الخارجية، والبالغة نحو 109.7 مليار دولار سنوياً، عبر الخليج العربي. هذا يعني أن الحصار لا يجمّد صادرات النفط فحسب، بل يعرقل أيضاً تدفق السلع الصناعية والزراعية والوسيطة التي تحتاجها المصانع والمستهلكون في الداخل، ويؤخر أو يرفع كلفة وصول الصادرات غير النفطية إلى شركائها التجاريين.
وتقدّر “سي إن إن” ومعها عدد من بيوت الأبحاث أن إيران تمثل نحو 4% من إمدادات النفط العالمية، وأن جزءاً كبيراً من هذه الكميات يتجه إلى الصين، ما يعني أن حظر مرور هذه الصادرات عبر هرمز يُثقِل كاهل شبكة الإمداد العالمية، ويزيد كلفة الشحن والحصول على بدائل لإيران وشركائها في آن واحد. ومع تحوّل الممر إلى منطقة عمليات عسكرية، تدخل شركات الشحن العالمية في حالة “نفور من المخاطر”، وترتفع أقساط التأمين وعلاوات مخاطر الحرب على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو العابرة بالقرب منها، ما يضاعف كلفة أي تجارة لا تزال ممكنة.
جزيرة خرج.. عقدة الجاذبية في الخسائر
بحسب ما أورده مالكي، تحقق جزيرة خرج وحدها نحو 53 مليار دولار سنوياً من العائدات النفطية لإيران، باعتبارها المنفذ الرئيس لصادرات الخام والمنتجات النفطية. وبالقياس إلى تقديرات “كابيتال إيكونوميكس” عن إجمالي صادرات النفط البالغة 45 مليار دولار تقريباً، تعكس هذه الأرقام مدى مركزية الجزيرة في منظومة التصدير الإيراني، سواء عبر الخام أو المنتجات البترولية والبتروكيماويات.
في سيناريو حصار فعّال، تصبح جزيرة خرج عملياً “خزاناً معزولاً”؛ النفط الذي يُنتج ولا يمكن شحنه يتراكم في الخزانات والناقلات العائمة، أو يُضطر المنتجون إلى خفض الإنتاج لتفادي امتلاء السعات التخزينية. هذا الوضع يترجم إلى خسائر مزدوجة: أولاً في شكل إيرادات مفقودة من شحنات لم تغادر، وثانياً في شكل خصومات إضافية على الشحنات التي ستُباع لاحقاً للتخلص من المخزون المتراكم في سوق تُراقب عن كثب المخاطر الجيوسياسية واللوجستية.
ضغوط متصاعدة على التمويل الحكومي والنشاط الاقتصادي
يرى شيرينغ أن قطع صادرات النفط سيحرم الحكومة الإيرانية من رافعة تمويلية أساسية، ليس فقط لتمويل الإنفاق العسكري، بل أيضاً لتغطية الدعم والرواتب والإنفاق الرأسمالي الداخلي. وبما أن النفط والغاز يشكلان نحو 80% من عائدات الصادرات الحكومية وفق تقديرات مالكي، فإن فقدان 276 مليون دولار يومياً من الصادرات، إضافة إلى تعطيل 159 مليون دولار من الواردات، قد يدفع طهران إلى مزيد من الاعتماد على التمويل الداخلي من النظام المصرفي، وإلى ضغوط على سعر صرف العملة المحلية وارتفاع في التضخم.
في الوقت نفسه، ستتأثر قطاعات الإنتاج الداخلي التي تعتمد على واردات المواد الخام والوسيطة، ما قد ينعكس في تراجع الإنتاج الصناعي، وارتفاع كلفة بعض السلع الاستهلاكية، وتزايد الضغوط الاجتماعية. وفي حال امتداد الحصار لأسابيع أو أشهر، يتحول الضغط من “صدمة خارجية مؤقتة” إلى تغيير هيكلي في مسار النمو وفي قدرة الدولة على إدارة توازناتها المالية والنقدية.



