خاص- فرملة إنهيار الليرة عبر تفعيل ثلاث قنوات أساسية!


كتب مدير الأبحاث لدى اتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي قانصو:
في ظلّ الاختلالات البنيوية القائمة في لبنان والتي باتت جسيمة على كافّة الصُعد، من القطاع المالي والنقدي إلى القطاعين العام والخارجي، مروراً بالقطاع الحقيقي من صناعة وزراعة وسياحة وقطاعات إنتاجية أخرى، استبشر اللبنانيون خيراً بعملية تشكيل الحكومة التي فتحت بلا شكّ كوّة صغيرة في جدار الأزمة المستفحلة، حيث كان بالإمكان العمل على توسيعها لفرملة الانهيار الحاصل بالدرجة الأولى على الأقل، ومن ثم المباشرة بوضع البلاد على سكّة النهوض بالدرجة الثانية في رحلة الألف ميل الإنقاذية، في حال صدقت النوايات وتمّ اتخاذ خيارات وتدابير جذرية وصارمة من قبل واضعي السياسات، وفي حال أُطلقت عجلة الإصلاحات الهيكلية بشكل ملائم وصادق، وتعزّزت أُطر المحاسبة والحوكمة للدولة اللبنانية، دون مناكفات أو نكايات سياسية تغلب فيها المصالح الشخصية على مصالح اللبنانيين. ولكن للأسف، فإن الحكومة غرقت في وحول السجالات الداخلية وباتت اليوم أشبه بحكومة تصريف أعمال لا قدرة لها على الاجتماع حتى الساعة.
في جميع الأحوال ومع تمنياتنا بأن تنشط الحكومة من جديد، المطلوب منها اليوم العمل على تفعيل ثلاث قنوات أساسية:
أولاً، العمل فوراً على الحدّ من طباعة الليرة لتمويل احتياجات الدولة اللبنانية، والعمل على تأمين الإيرادات العامة إما من خلال تفعيل جباية الضرائب غير المجباة (أي مكافحة التهرب الضريبي) أو من خلال تعديل سعر صرف الدولار الضريبي، كالدولار الجمركي على سبيل المثال، وإن تعتبر هذه الاجراءات غير محبّذة لا اقتصادياً ولا اجتماعياً في الوقت الراهن، لاسيما في ظل ركود اقتصادي حادّ وتدهور في المستوى المعيشي للبنانيين، ولكن “وجع يوم ولا وجع كل يوم”، إذ أن هكذا إجراءات قد تكون مؤلمة على المدى القصير غير أن ألمها يبقى أفضل بكثير من ألم الاستمرار في دوامة طباعة الأموال وانهيار سعر الصرف على المدى المتوسط والطويل، فعلينا كسر هذه الحلقة بشتى الطرق وإلا فلا مفرّ من الارتطام القاسي الذي قد تمتدّ مفاعليها المؤلمة لسنوات طويلة.
ثانياً، على الحكومة تعزيز عامل الثقة الذي يبقى الركيزة الأساسية لتفعيل قنوات دخول الدولار إلى البلاد. فكيف لحكومة مشلولة وغارقة في وحول السجالات السياسية الداخلية والإقليمية أن توحي بالثقة للمغترب اللبناني أو للمجتمع الدولي؟ فالثقة كفيلة بإرساء مناخ من الارتياح من شأنه أن يكبح الطلب على الدولار بالدرجة الأولى وأن يعزز دخول الدولار إلى لبنان بالدرجة الثانية، وهي عوامل مطلوبة اليوم على الأقل لكبح سعر الصرف في المرحلة الراهنة.
ثالثاً، يتعيّن على الحكومة أن تواجه عدد من الملفات الاقتصادية بشكل فوري وسريع مع طرح برنامج إنقاذ وطني وصياغة خطة اقتصادية شاملة مع رؤية مشتركة للخسائر المالية المحققة والمرتقبة وتوزيعاً عادلاً ومنصفاً بين جميع العملاء الاقتصاديين مع إجراءات إصلاحية جريئة انطلاقاً من احتياطيات أجنبية بقيمة 14 مليار دولار وذهب بقيمة 17 مليار دولار ومساعدات مالية يمكن أن تتأتّى كلّما تعززت الثقة في الواقع اللبناني، على أن تبدأ الإجراءات الإصلاحية على أربعة محاور:
- المحور الأول، وضع الشأن النقدي على المسار السليم مع بلوغ احتياطيات مصرف لبنان الأجنبية إلى حدود الاحتياطي الإلزامي، وذلك في ظلّ حاجات تمويلية بالعملات الأجنبية لا تقلّ عن 5 مليارات دولار سنوياً.
- المحور الثاني، إصلاح القطاع المصرفي بجهود إعادة الهيكلة لتعزيز وضعيته المالية وحوكمته وقدرته على مواجهة الضغوط. المطلوب هنا بالدرجة الأولى إقرار مشروع قانون الكابيتال كونترول من أجل ضبط حركة الأموال من لبنان إلى الخارج، وضمان معاملة عادلة لجميع الزبائن والحدّ من المخاطر القانونية تجاه القطاع المصرفي، إذ أن فقدان الثقة في القطاع المصرفي يعني فقدان الثقة في النظام المالي ككلّ، فسلامة القطاع المصرفي لها تأثير ملحوظ على المخاطر السيادية وبالتالي على أي تصنيف سيادي محتمل للبنان.
- المحور الثالث، تصحيح الاختلالات القائمة على صعيد المالية العامة من خلال عدد من التدابير التي يجب أن تتمحور بشكل خاص حول تقشف جدّي في الإنفاق العام من خلال تخفيض النفقات غير الثابتة (أي النفقات خارج الأجور والرواتب والتحويلات لمؤسسة كهرباء لبنان)، وذلك بالتوازي مع تعزيز تعبئة الموارد من خلال تحسين الجباية عبر مكافحة التهرب الضريبي، هذا بالإضافة إلى إصلاح قطاع الكهرباء عبر بناء محطات الطاقة اللازمة بتمويل من حقوق السحب الخاصة بالترافق مع رفع رسوم الكهرباء وتقليص الخسائر التقنية وغير التقنية.
- المحور الرابع، تصحيح الاختلالات على صعيد القطاع الخارجي لتحقيق توازن ضروري في ميزان المدفوعات من خلال تحفيز التدفقات المالية الوافدة وخفض الواردات وتعزيز الصادرات. المطلوب هنا قوننة حركة الرساميل الخارجية من خلال إصدار قانون تشريعي يضبط حركة الرساميل ويتضمن وضع قائمة بالتحويلات الطارئة مع تحديد سقوف عليها، فرض قيود على استيراد السلع التي لها بدائل محلية الصنع، تسهيل تمويل استيراد المواد الأولية للإنتاج المحلي، بالإضافة إلى فرض قيود على التحويلات الخارجية للعمال الأجانب العاملين في لبنان.
مما لا شكّ فيه أن هذا المسار الإصلاحي شاق وطويل ويشوبه عدد من التحديات والعراقيل، إذ يحتاج إلى توافر أربعة عناصر مترابطة لضمان نجاحه، الحشد الدولي والدعم المالي لتمويله، حكومة توحي بالثقة وذات مصداقية قادرة على تطبيق ما يلزم من إجراءات، عامل الوقت لتُترجم هذه الاصلاحات بشكل فعلي ونبدأ بقطف ثمارها، والأهم من كل ذلك صدق النوايا بين مختلف الأفرقاء السياسيين لضمان المناخ المؤاتي من الاستقرار السياسي والأمني، وإن قد نشهد مساراً تصاعدياً سعر الصرف في المرحلة القادمة في أعقاب عملية رفع الدعم التي أصبحت تشمل تقريباً معظم السلع المدعومة. عليه، وفي حال بقيت الأمور على ما هو عليه، وهو ما لا نتمنّاه، فإن سعر الصرف قد يتراوح بين 25 ألف و30 ألف ليرة في المدى القريب، ليستقر نسبياً في الفصل الأول من العام 2022، لاسيما في ظلّ تمويل مرتقب للحملات الانتخابية، قبل أن يعاود ارتفاعه في ربيع العام 2022، خاصةً إذا فشلنا في تشكيل حكومة بين استحقاقي الانتخابات النيابية والرئاسية، وهو أمر غير مستبعد، إلا إذا شهدت المنطقة تسوية ما قد تحمل في طياتها رياح انفراجية تخفّف من حدّة التشنج الجيوسياسي بشكل عام وتعبّد الطريق أمام إصلاحات مرجوّة من شأنها أن تُؤمّن الاستقرار الاقتصادي المنشود وإخراج لبنان من فخّ الركود التضخمي بالتوازي مع استقرار مالي ونقدي من شأنه أن يوحّد أسعار صرف الدولار مقابل الليرة، وإلا فلا إصلاح ولا من ينقدون.



