أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

محور طهران يترنح… ولبنان يدفع الثمن (نداء الوطن ٢٠ اذار )

يقدّم “التقييم السنوي للتهديدات لعام 2026” الصادر عن مجموعة الاستخبارات الأميركية تقييمًا دقيقا وشاملاً للديناميكيات المتقلبة القائمة بين لبنان، و”حزب الله”، وإسرائيل، وإيران. وتشغل هذه الأطراف موقع الصدارة في أكثر المحاور الإقليمية اضطرابًا في الشرق الأوسط؛ إذ تُشكّل أفعالها وتفاعلاتها ملامح الاستقرار الإقليمي، والمصالح الأميركية، واتجاهات الأمن العالمي.

ويُصدر تقييم عام 2026 حكمًا واضحًا بشأن منطقة الشرق الأوسط، وذلك بعد مرور أكثر من عامين من الصراع المتواصل: لقد ضعف محور إيران، وصعِدت مكانة إسرائيل، فيما لبنان يدفع الثمن… غير أن أيًا من هذه المعطيات لا يُفضي إلى تحقيق الاستقرار.

ففي واشنطن لا يعلنون النصر، بل يحذرون من المرحلة القادمة.

لقد حطمت ونسفت عملية “الغضب الملحمي” (Epic Fury) والحملة الإسرائيلية المرافقة، افتراضات راسخة طالما سادت حول الهيمنة الإقليمية لإيران. فقد تضررت بشدة قدرة طهران على بسط نفوذها عبر القوى الوكيلة، كما اهتزت مصداقيتها بصفتها “ضامنًا للمقاومة”. وأما أغلى أصولها وأثمنها —حزب الله— فيبدو الآن أقل شبهًا بقوة ردع لا تُقهر، وأكثر شبهًا بعبء استراتيجي ثقيل.

ومع ذلك، فإن رسالة واشنطن تتسم بالصراحة والوضوح: إن إيران الجريحة لا تزال إيران “خطرة” رغم فقدانها لزمام المبادرة، و”حزب الله” المحاصَر ليس حزبًا “منصاعًا”… إلى حين القضاء على النظام الإيراني.

لعقود من الزمن، انتهجت إيران “لعبة النفس الطويل”: بناء القوى الوكيلة، وتجنب الحرب المباشرة، واستنزاف إسرائيل والولايات المتحدة عبر سياسة “الإنكار” (التنصل من المسؤولية). غير أن هذا النموذج قد تلقى ضربات قاسية؛ إذ أدت الضربات الإسرائيلية، و”حرب الأيام الاثني عشر”، والعمليات التي قادتها الولايات المتحدة، إلى تآكل القدرات الإيرانية وكشف حدود ضبط النفس الذي تمارسه طهران.

وكانت الضربة الأكثر إضرارًا هي فشل طهران في الرد بشكل حاسم على اغتيال كبار قادة “الحرس الثوري الإيراني” وقادة “حزب الله”. ففي لغة الردع، تُعد المصداقية أمرًا جوهريًا… وقد دوّى صمت إيران بصدىً عالٍ في أرجاء المنطقة كافة.

بيد أن محللي الاستخبارات يحذرون: إذا ما نجا النظام من هذه الأزمة، فمن المرجح أن يسعى للانتقام، مشيرين إلى أن “كتيب التكتيكات القديم” قد يكون قد تصدّع، لكنه لم يُلقَ جانباً بعد.

ومع بدء ساعة الحساب لـ”حزب الله”، تشير تقييمات واشنطن إلى أنه إذا كان تراجع إيران تراجعًا استراتيجيًا، فإن تراجع “حزب الله” يُعد تراجعًا وجوديًا.

فمن خلال فتح جبهة قتال ضد إسرائيل نيابةً عن طهران، استجلب “حزب الله” مستوىً من الضغط العسكري الإسرائيلي لم يكن مستعدًا لاستيعابه أو تحمله —لا سيما في ظل انشغال إيران وتآكل قدراتها. لقد أدت الضربات الإسرائيلية إلى إضعاف القوة التقليدية لطهران، وعرقلة هياكل القيادة لديها، وتجريدها من هالة “المناعة” التي كانت تحميها سياسيًا على الساحات الداخلية الإقليمية في السابق.

ولعل الأمر الأكثر لفتـًا للانتباه هو ما يجري داخل لبنان؛ إذ وللمرة الأولى، أعلن المسؤولون اللبنانيون رسميًا أن النشاط العسكري لـ”حزب الله” يُعد نشاطًا غير قانوني. وهذا لا يعني أن “حزب الله” بصدد نزع سلاحه—فهو لن يفعل ذلك—لكنه يعني أن الإجماع السياسي الذي كان يوفر له الحماية في الماضي قد تصدّع.

وترى أجهزة الاستخبارات مؤشرات على وجود جدل داخلي في صفوف “حزب الله” بشأن مستقبله. وهذا التعبير، بلغة الاستخبارات، يشير إلى أمر أعمق بكثير: لقد بدأت أزمة الهوية تعصف بالحزب. فهل لا يزال الحزب يشكل “قاعدة متقدمة” لإيران في مواجهة إسرائيل، أم أنه تحوّل إلى فاعل لبناني يكافح من أجل البقاء في ظل دولة تترنح نحو الانهيار؟

وقد لا يكون بمقدوره الجمع بين هذين الدورين لفترة أطول!

وفي خضم الأحاديث الدائرة حول الصواريخ والميليشيات، يغيب عن الأنظار البلد الذي يتلقى الصدمات وتداعياتها؛ إذ يظهر لبنان في التقييمات الاستخباراتية الأميركية ليس بصفته “فاعلاً” مؤثراً، بل بصفته مجرد “ساحة صراع”: هشـًا اقتصاديًا، ومستنزفًا سياسيًا، وأكثر عرضةً من أي وقت مضى لتداعيات تصعيد عسكري لا يملك القدرة على السيطرة عليه.

ومع تراجع قوة “حزب الله”، لا تزداد قوة لبنان تلقائيًا؛ بل على العكس من ذلك، قد يحدث نقيض هذا الأمر تمامًا. فمن شأن تآكل هيمنة “حزب الله” أن يهدد بكشف التوترات الطائفية الكامنة، وإثارة القلاقل والاضطرابات، واستدعاء المزيد من الضربات الإسرائيلية الرامية إلى “إتمام المهمة”.

وبالنسبة للبنان، تجسد هذه الحالة المفارقة القاسية لحروب الوكالة: فحتى عندما يُمنى “الوكيل” بالهزيمة، تظل الدولة المضيفة هي التي تدفع الثمن وتعاني من التداعيات.

في المقابل، تعمل إسرائيل من موقع قوة؛ إذ ساهمت قدراتها الاستخباراتية المتغلغلة، ونطاق نفوذها العسكري الواسع، واستعدادها لتوجيه ضربات استباقية، في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وتتوقع أجهزة الاستخبارات أن تواصل إسرائيل توجيه ضرباتها ضد “حزب الله”، وأن تحول دون تمكين إيران من إعادة بناء قدراته—باستخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة.

غير أن الهيمنة العسكرية شيء، والحسم النهائي شيء آخر. فبحسب التقييمات الأميركية، يفرض الموقف الإسرائيلي تعقيدات سياسية على القادة العرب، ويضع عراقيل أمام جهود التطبيع، كما يرفع من احتمالات الانزلاق نحو صراع دائم منخفض الشدة. وكلما حققت إسرائيل مزيدًا من النجاحات العسكرية، تعاظم العبء الملقى على عاتقها في إدارة التداعيات الاستراتيجية المترتبة على كونها الفاعل الأقوى—والأكثر استهدافًا—في المنطقة.

“فالمحور قد ضَعُف، لكنه لم يُهزَم”، هذا الاستنتاج الجوهري الذي خلصت إليه أجهزة الاستخبارات الأميركية يُعد استنتاجًا جديرًا بالتأمل والتروي: فـ “محور المقاومة” وإن كان قد تراجع إلى موقع دفاعي، إلا أن ساحة المعركة تشهد تحولاً في طبيعتها وموقعها، ولم يتم طي صفحتها بعد. وبحسب التقييمات الأميركية، فإنه مع فقدان إيران و”حزب الله” لخياراتهما التقليدية، يزداد احتمال لجوئهما إلى الإرهاب، والهجمات السيبرانية، وأعمال العنف التي يمكن التنصل منها. وفي الوقت ذاته، يتربص تنظيم “داعش” وتنظيم “القاعدة” ليتوسع في نطاق الفراغات في الحوكمة.

من هنا ترى الاستخبارات الأميركية أن هذه ليست نهاية الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023؛ بل هي مرحلة انتقال إلى الفصل الأكثر غموضًا وتعذرًا على التنبؤ.

إن التحذير الصادر عن أوساط الاستخبارات تحذيرٌ ضمني، ولكنه لا يقبل اللبس: فإضعاف أعدائك لا يُنهي الصراع، بل يغير من هيئته وشكله. وفي منطقة الشرق الأوسط، نادرًا ما يتخذ ذلك الشكل طابعًا حميدًا.

بواسطة
امل شموني
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى