ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

مخاطر نووية في حرب إيران.. ما كلفتها الاقتصادية المحتملة؟

يعود الحديث عن المخاطر النووية إلى الواجهة من باب حرب إيران، إذ حذرت طهران من استهداف مفاعل ديمونا النووي في إسرائيل ضمن جملة ردودها، بينما نبهت روسيا إلى أن محطة بوشهر النووية في إيران تتعرض لتهديد جراء الغارات الجوية الأميركية الإسرائيلية.

اقتصادياً، يُنظر إلى المخاطر النووية باعتبارها من فئة المخاطر الكارثية منخفضة الاحتمال عالية الكلفة، أي تلك التي قد تقع نادراً لكنها لو وقعت تكون خسائرها ضخمة إلى درجة يصعب على الأسواق أو شركات التأمين تسعيرها بدقة.

وتشير دراسة لوكالة الطاقة النووية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تقدير القيمة الاقتصادية للحوادث النووية مسألة معقدة، لأن آثارها لا تقتصر على الأضرار المادية المباشرة للمفاعل أو المنشأة، بل تمتد إلى خسائر اقتصادية واجتماعية أوسع خارج موقع الحادث، مثل تعطّل النشاط الاقتصادي وتلوث الأراضي وتكاليف الإجلاء وإعادة التوطين.

فما الذي يترتب على هذه المخاطر النووية اقتصادياً؟

كيف يختلف تقدير الضربات النووية اقتصادياً عن نظيرتها التقليدية؟
الضربة التقليدية تُقاس غالباً بكلفة إصلاح منشأة أو جسر أو ميناء، أما الخطر النووي فيوسع دائرة الخسارة لتشمل الأرض والمياه والهواء والنشاط الاقتصادي المحيط. لهذا لا تتوقف الكلفة عند حدود المنشأة نفسها، لأن الخطر الأساسي هو احتمال إطلاق مواد مشعة إلى البيئة، بما يفرض إجلاء السكان وقيوداً على الغذاء والمياه والزراعة، وفق معايير الاستجابة للطوارئ النووية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحتى الآن كان هناك اختبارات محدودة لهذه الأسلحة على نطاق ضيق للغاية لتقييم فاعليتها، وأوضحت تلك الاختبارات أن النتائج المحتملة قد تكون كارثية

المدير العام للوكالة رافاييل غروسي شدد في تصريح الأسبوع الماضي على أن “استهداف المنشآت النووية قد يخلّف عواقب تتجاوز حدود الدولة المستهدفة”.

اقتصادياً، يعني ذلك أن بعض المناطق قد تصبح غير صالحة للسكن أو الزراعة أو الاستثمار لفترة طويلة، وهو ما يميّز الخطر النووي عن القصف التقليدي الذي يمكن، نظرياً، إعادة إعماره بمجرد توافر التمويل والمواد.

في حالة تشيرنوبل مثلاً، تسبب التلوث الإشعاعي في إجلاء أكثر من 100 ألف شخص في 1986، ثم نقل نحو 200 ألف آخرين لاحقاً من بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا، فيما بقي نحو 5 ملايين شخص يعيشون في مناطق ملوثة بدرجات مختلفة، بحسب تقرير مشترك للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمات أممية أخرى. هذا النوع من الضرر يخلق خسائر طويلة الأجل في قيمة الأراضي والإنتاج الزراعي وسوق العمل المحلية، لا مجرد فاتورة إعادة بناء.

ماذا تقول التجارب التاريخية عن كلفة الكوارث النووية؟
في هيروشيما، رصدت وثيقة رسمية حديثة الأضرار في ست فئات رئيسية بنحو 763.4 مليون ين آنذاك (أي نحو 2.1 مليون دولار وفق سعر صرف الين حينها)، فيما قدّر “مجلس الاستقرار الاقتصادي” الياباني في 1949 إجمالي الأضرار المادية في المدينة بنحو 695 مليون ين (أي نحو 1.93 مليون دولار وفق سعر صرف الين حينها). وتوضح الوثيقة نفسها أن ضعف الإيرادات الضريبية والضائقة المالية جعلا إعادة الإعمار بطيئة وشاقة، وأن استكمال بعض مشاريع البناء الأساسية استغرق حتى منتصف الخمسينيات.

وتشير الوثيقة نفسها إلى أن 70147 مبنى من أصل 76327 في المدينة دُمّر أو احترق جزئياً أو كلياً، أي نحو 92% من المباني، وأن نحو 40% من المساحة القابلة للاستخدام في المدينة تحولت إلى رماد.

أما ناغازاكي، فتظهر السجلات الحكومية الأميركية المنشورة ضمن أرشيف مشروع مانهاتن أن 14 ألف منزل من أصل 52 ألفاً دُمّر، فيما تضرر 5400 منزل إضافي بأضرار جسيمة، وأن 12% فقط من المنازل خرجت بلا أذى. كما وصفت السجلات الأضرار التي لحقت بمصانع “ميتسوبيشي” بأنها “هائلة”، وأشارت إلى أن المدينة كانت لا تزال تعاني نقصاً في المياه حتى بعد ستة أسابيع من القصف. هذه البيانات لا تعطي رقماً حديثاً جامعاً للكلفة بالدولار، لكنها توضح أن الضربة النووية لم تُسقط فقط مباني وأصولاً، بل عطّلت المدينة الصناعية والخدمية لفترة مطولة.

وفي الكوارث النووية المدنية، تبدو الصورة أوضح من ناحية الفاتورة المالية. فاليابان قدّرت في 2016 كلفة فوكوشيما المتعلقة بإزالة التلوث والتعويضات وتفكيك المحطة بنحو 21.5 تريليون ين (أي ما يعادل نحو 188 مليار دولار حينه)، وفق رويترز ووزارة الاقتصاد اليابانية كما أوردتها جمعية الطاقة النووية العالمية. كما جرى إجلاء عشرات الآلاف من السكان من المناطق المحيطة بالمحطة.

أما تشيرنوبل، فالتقديرات تختلف بشدة بحسب المنهجية، حيث تحدث تقرير مشترك تقوده الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحدث عن “تكاليف هائلة” على الاتحاد السوفييتي والدول المتضررة، فيما قدّرت دراسة صادرة عن مركز الصحة العالمية بجامعة جنوب كاليفورنيا أن التكلفة الإجمالية على مدى 30 عاماً قد تصل إلى نحو 700 مليار دولار.

وخلال السنوات الأخيرة زاد اتجاه العالم لبناء مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة، التي قد يمثل كل واحد منها خطراً كبيراً في حد ذاته حال استهدافه في أي صراع عسكري، وأعلنت 5 دول نيتها بناء أكثر من 700 مفاعل بحلول 2050.

ما هي “علاوة المخاطر النووية”؟
يمكن استخدام مصطلح “علاوة المخاطر النووية” لوصف الزيادة الإضافية في كلفة العيش والاستثمار والعمل قرب منشآت نووية في بيئة نزاع. هذه العلاوة لا تظهر فقط في شكل احتمالات كارثية بعيدة، بل في بنود اقتصادية ملموسة، مثل: ارتفاع كلفة التأمين، ووضع جهات الإقراض والمستثمرين تقييماً أعلى مقابل المخاطر، تراجع قيمة الأراضي والعقارات، وإعادة تسعير الأصول الواقعة ضمن نطاق الخطر المحتمل.

منطق هذه العلاوة يستند إلى أن أي حادث أو هجوم يهدد منشأة نووية قد لا يقتصر أثره على يوم أو أسبوع، بل قد يحول منطقة كاملة إلى ملف قانوني وبيئي ومالي مفتوح لسنوات. وتدعم معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية هذا المنطق حين تربط الطوارئ النووية بإجراءات مثل الإجلاء وفرض قيود على الغذاء والمياه والزراعة، وهي كلها إجراءات لها كلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.

تكاليف أخرى محتملة
فوق خسائر الأصول والإنتاج، هناك فاتورة ثانية غالباً ما تكون أثقل، منها تنظيف البيئة وإزالة التلوث، وتعويض السكان والشركات، وإعادة توطين من يُجبرون على النزوح، ومراقبة التربة والمياه والصحة العامة لسنوات.

هذا ما تُظهره حالتا فوكوشيما وتشيرنوبل بوضوح، ففي الأولى قفزت الكلفة الحكومية المقدرة لأن الفاتورة لم تقتصر على المحطة نفسها، بل شملت التعويضات وإزالة التلوث والتفكيك طويل الأمد.

وفي الثانية، استمرت الحكومات المتضررة في تخصيص نسب معتبرة من الإنفاق العام لعلاج آثار الكارثة بعد سنوات طويلة من وقوعها، إذ شكلت النفقات المرتبطة بتشيرنوبل نحو 22% من الموازنة العامة في أوائل التسعينيات، وفق تقرير للبنك الدولي.

قد تبرز أيضاً مطالبات تعويض أو نزاعات قانونية وسياسية عابرة للحدود من جانب الدول الجارة المتضررة من الحادثة.

لماذا تثير الحرب الحالية هذه المخاوف؟
السبب المباشر للمخاوف يكمن في أن الحرب الجارية بين إيران من جهة وإسرائيل وأميركا من الجهة الأخرى تدور بين طرفين يملكان بنية نووية حساسة أو مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي، فيما تتسع رقعة الضربات جغرافياً.

ولوّحت إيران صراحة باستهداف ديمونا، وروسيا قالت إن انفجارات وقعت على مقربة من بوشهر بما يكفي لتعليق أعمال البناء هناك، بينما كررت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن أي هجوم على منشآت نووية قد يفضي إلى عواقب تتجاوز حدود الدولة المعنية، وكانت منشأة نطنز النووية أحد المواقع النووية القليلة التي تعرضت لهجوم خلال الحرب الحالية، لكن طبيعة الأضرار ما تزال موضع تقييم وتباين في الروايات.

بالمقارنة، وحتى الآن، لا توجد تقارير موثوقة تفيد بأن ديمونا أُصيب فعلاً، بل إن “رويترز” نشرت مادة تدقيق خلصت إلى عدم وجود تقارير ذات مصداقية عن إصابة الموقع. لكن مجرد دخول المنشآت النووية إلى قاموس التهديدات العسكرية يكفي لرفع “علاوة المخاطر النووية” على المنطقة، لأن الأسواق والمستثمرين وشركات التأمين يسعّرون الاحتمال قبل وقوعه، لا بعده فقط.

 

المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى