أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

القضاء لا الضحية… متى؟!( النهار 30 أيلول)

كتب نبيل بو منصف في ” النهار”:

من المفجع حقا ان تتكرر في واقع القضاء اللبناني تطورات من النوع “القاتل” التي يراد لها ان تثبت موت الدولة ومفهوم الدولة وثقافة الحماية للمواطن من خلال الامعان في قتل الشهيد المسمى قضاء. قتل الشهيد لا يحصل الا في وحشية تتفلت من كل المعقول، اسوة بالتمثيل بجثة القتيل. ويكاد هذا الهذيان المخيف ينطبق تماما على استهداف أسطوري للقضاء اللبناني منعا لاي قيامة افتراضية او محتملة لتلك التي كانت دولة وانهارت واضمحلت واندثرت.

منذ 21 عاما بدأ التحالف الشيطاني المتعمد أو العفوي، وفي كلا الحالين التسلسلي، بين خليط خارجي وداخلي متعدد الجنسية والتركيبة والارتباط لا يجمع بين اطرافه الظرفيين او الدائمين سوى هدف مركزي واحد هو الانقضاض على اساس عودة لبنان إلى مصاف دولة طبيعية من خلال ركن واحد هو القضاء. جرى ذلك بمثابة اضاءة الإشارات الشيطانية في كواليس العتمة الاجرامية حين اغتالت عصابة أبو محجن الفلسطينية الأصولية القضاة الأربعة الشهداء على قوس محكمة الجنايات في قصر العدل في صيدا واستلزمت محاكمة المجرمين الخمسة 19 عاما ليصدر المجلس العدلي احكامه بإعدامهم غيابيا.

والحال اننا نستحضر أسوأ جريمة اغتيال جماعية استهدفت القضاء اللبناني إبان عصر الوصاية السورية لا لتوجيه التحية إلى ارواح أربعة قضاة شهداء فحسب، وانما لاستفظاع مجريات راهنة تبدو كأنها في مكان ما واتجاه ما مكملة لفعل الاغتيال المتمادي معنويا ووطنيا في تدمير كل بقايا الرهانات على قيامة القضاء المستقل ومعه دولة لبنان الغائرة راهنا في أسوأ قعر.

لسنا ندري أي فارق يبقى بين اغتيال القضاة بفعل التصفية الجسدية الوحشية، ومنع القضاء اللبناني منعا قاطعا مثبتا من احراز أي تقدم في كل الملفات العائدة لشهداء حرب الاغتيالات التي اشعلت منذ عام 2004، وتمادي التمادي الان في استهداف فاجر علني للتحقيق العدلي في أفظع انفجارات العالم في مرفأ بيروت الذي صار التحقيق المستقل فيه مطلبا دوليا وداخليا عارما؟ حين اقترب المحقق العدلي الثاني في هذا الملف من استكمال حقائقه ها هم يتقدمون بخطى مخيفة لإزاحته ترهيبا وطعنا وتشكيكا بكل الوسائل المتاحة والمشروعة وغير المشروعة سواء بسواء.

صارت الرسالة مفهومة ولا حاجة بأحد من نشامى الأبطال السياسيين الحاليين أو السابقين، الملاحقين او المتفرجين القلقين من مجريات التحقيق لعلها تصل إلى حيث يجب إلا تصل، بان حدود القضاء اللبناني يجب ان تعود إلى حيث كانت عليه إبان عصر الوصاية السورية. لم يحاكم آنذاك ولم تركب احكام الا على العدو الرقم واحد للنظام السوري سمير جعجع، ومن ثم مضت الأمور بالطريقة المخزية إياها بعد الوصاية كتلك التي أطلق فيها قاتل النقيب الشهيد سامر حنا… والسلسلة لا تقف عند وقائع كثيرة تضج بمثل تلك الأحكام التي يصبح معها القضاء المطلوب مطواعا سلسا مستسلما للترهيب وما يعجز عنه الترهيب يكمله الفساد من خلال الوصايات السياسية السلطوية او الحزبية وما شاكلها.

من أسف وصدمة عميقين، والغرابة اننا لا نزال نصدم رغم تكرار الفواجع، ان تستحضر واقعة محاصرة القاضي طارق البيطار كل هذا الإرث المخيف في الانقضاض على القضاء وتقاطع الأهداف والمآرب عند شل وانهاء التحقيق في انفجار مرفأ بيروت. والأسوأ ان يستسلم القضاء لصورة الضحية فقط.

بواسطة
نبيل بو منصف
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى