زيارة مُفاجئة لوزير العدل الى قصر العدل في بعبدا القضاة يُلوّحون بالإعتكاف الأسبوع المقبل (الديار ٩ كانون الثاني )
في خطوة غير معلنة سلفا، حضر وزير العدل عادل نصار إلى قصر العدل في بعبدا قرابة الساعة الثانية والنصف بعد ظهر امس ، حيث استهل زيارته بلقاء في مكتب النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر. الزيارة التي امتدّت لنحو ساعتين، شملت سلسلة اجتماعات مع عدد من القضاة الموجودين في القصر، تلاها لقاء مباشر مع المساعدين القضائيين، بحضور الرئيسة الأولى لمحاكم الاستئناف في جبل لبنان القاضية ميرنا بيضا وقاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر.
وخلال هذه اللقاءات، طُرحت بوضوح الصعوبات المتراكمة التي يعيشها الجسم القضائي، لا سيما المساعدون القضائيون الذين يشكّلون العمود الفقري للعمل اليومي داخل قصور العدل. فهؤلاء يعملون لساعات طويلة تمتد في كثير من الأحيان حتى الثامنة والتاسعة مساءً، ويتابعون ملفات حساسة تحت ضغط كبير، وفي ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات العمل، منها عند انقطاع التيار الكهربائي، يواصل القضاة والمساعدون إنجاز المعاملات على ضوء هواتفهم المحمولة، حرصا على عدم تعطيل شؤون الناس وتأخير حقوق المتقاضين.
ويُعدّ المساعدون القضائيون الواجهة الأولى للقضاء أمام المحامين والمواطنين، إذ يتحمّلون عبء المراجعات اليومية، وما يرافقها من توتر وضغط نفسي، ويسمعون الكثير من شكاوى أصحاب الملفات، في ظل نقص حاد في العديد، بحيث بات كل مساعد يقوم عمليا بعمل ما لا يقل عن أربعة موظفين. هذا الواقع، ومعه توقّف المساعدات المالية وتراجع قيمة الرواتب إلى حدود 250 دولارا، وضعهم أمام أزمة معيشية خانقة تهدّد استمرارية العمل القضائي.
وفي هذا السياق، سيسعى وزير العدل بالعمل على تحسين أوضاع المساعدين القضائيين، والسعي إلى إعادة الرواتب إلى ما كانت عليه سابقا، إضافة إلى درس زيادة عددهم لتخفيف الضغط عن المحاكم. ويأتي هذا الوعد في وقت أعلن فيه المساعدون القضائيون نيتهم البدء باعتكاف عن العمل اعتبارا من الأسبوع المقبل، في حال عدم تلمّس خطوات عملية وسريعة تعالج هذا الواقع.
وفي موازاة ذلك، أفادت المعلومات بأن القضاة يدرسون بدورهم خيار الاعتكاف عن العمل، إذا لم تُتخذ إجراءات جدية لتحسين رواتبهم وظروفهم المهنية، مع توجّه للانضمام إلى أي تحرّك مطلبي، وسط تداول بإمكانية تنظيم وقفة احتجاجية للمساعدين يوم الخميس المقبل أمام قصر العدل في بعبدا.
غير أنّ هذا المشهد الضاغط لا يُختصر بالمطالب المعيشية فحسب، بل يندرج في إطار أوسع من الالتزام والمسؤولية الوطنية. فالقضاة، وفي مقدّمهم القاضي سامي صادر والقاضية ندى الأسمر، ومعهما سائر القضاة، يواصلون عملهم بإصرار وثبات، انطلاقا من إيمانهم بمرحلة جديدة يعيشها القضاء اللبناني، وبالزخم الذي رافق انطلاقة العهد الجديد لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون.
هذا الإيمان لم يُترجم شعارات شعبوية ولا تغريدات تحريضية ، بل ممارسة يومية هادئة، وسعيا فعليا إلى إعادة الاعتبار لهيبة القضاء، وبالاخص الى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان ومكانتها الحقيقية، سلطة تمثل الحق العام وتحفظه، لا كسلطة تابعة لتيار سياسي. كما يحرص القضاة على تقدير الظروف الصعبة التي يمر بها المواطنون والمحامون، ويُبدون احتراما واضحا للجهد الاستثنائي الذي يبذله مساعدوهم، إدراكا منهم بأن استمرارية العدالة اليوم تقوم على هذا التكامل بين القاضي ومساعده.



