الصيغة النهائيّة لاتفاقيّة الترسيم أتت على قاعدة Win-Win وهو ما لم يعتد “الإسرائيلي” عليه (الديار 12 تشرين الأول)
لبنان حصل على مطالبه ويُعلن موقفه الوطني الموحّد خلال ساعات... هل أصبح التوقيع في أمتاره الأخيرة؟

باتت إتفاقية ترسيم الحدود البحرية الجنوبية على قاب قوسين من التوقيع، ودخلت المرحلة النهائية قبل التوقيع، مع تسلّم كلّاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيسي مجلس النوّاب نبيه برّي وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الثلاثاء في 11 تشرين الأول الجاري، من نائب رئيس مجلس النوّاب الياس بو صعب النسخة الرسمية النهائية المعدّلة للإقتراح الذي كان تقدّم به الوسيط الأميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية، للإتفاق في شأنها.
هذه الصيغة التي اعتبرتها رئاسة الجمهورية “مرضية للبنان لا سيما وأنّها تلبّي المطالب اللبنانية التي كانت محور نقاش طويل خلال الأشهر الماضية، وحافظت على حقوق لبنان في ثروته الطبيعية في توقيت مهمّ بالنسبة الى اللبنانيين”، آملةً أن “يتمّ الإعلان عن الإتفاق حول الترسيم في أقرب وقت ممكن”. فهل سيتمّ توقيع الإتفاقية خلال أيّام، لا سيما في 14 تشرين الجاري الذي يُصادف الذكرى السنوية الثانية لبدء المفاوضات غير المباشرة على طاولة الناقورة، وكيف؟ وما الذي قد يُعيق الوصول الى المرحلة الأخيرة والنهائية هذه، والى تثبيت الإتفاقية ؟!
تقول أوساط ديبلوماسية مواكبة لمسألة ترسيم الحدود، بأنّه ما إن تسلّم لبنان الرسمي الصيغة النهائية المعدّلة لإتفاقية الترسيم، حتى انكبّ المسؤولون المعنيون على إعادة قراءتها للتأكّد من أنّها أخذت بالإعتبار “التعديلات اللبنانية” التي وضعوها بالتشاور والتنسيق مع اللجنة التقنية المختصّة. وأكّد الرئيس عون أنّه سيجري المشاورات اللازمة حول هذه المسألة الوطنية تمهيداً للإعلان رسمياً عن الموقف الوطني الموحّد. وإذ سيصدر الموقف اللبناني من اتفاقية الترسيم خلال الساعات المقبلة، الذي يتجه نحو الموافقة النهائية على الصيغة المعدّلة لها، فضلاً عن أنّ رئيس الحكومة “الإسرائيلية” يائير لابيد أعلن أنّه “توصَّلْنا الى اتفاق تاريخي مع لبنان حول ترسيم الحدود البحرية، وينتظر موافقة الحكومة بعد اجتماعها اليوم الأربعاء على الإتفاقية، يجري التساؤل عن إمكانية عرقلة توقيعها من لبنان أو من العدو الإسرائيلي..
بالنسبة الى لبنان، فإنّه بحسب المادة 52 من الدستور، على ما أضافت الاوساط، فإنّ “رئيس الجمهورية يتولّى المُفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تُصبح مبرمة إِلَّا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكّنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أمّا المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب”. وهذا يعني بأنّ اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، تدخل ضمن المعاهدات التي تتعلّق بمالية الدولية، ولهذا لا يجوز التوقيع عليها من قبل رئيس الجمهورية فقط.
أمّا إذا كانت الذريعة، على ما عقّبت الأوساط نفسها، بأنّه لن يتمّ توقيع أي إتفاقية أو معاهدة، بل سيقوم كلّ من الجانبين بإرسال مضمون الإتفاقية في رسالة منفصلة عن الأخرى، ولا تحمل تواقيع الطرفين الى الأمم المتحدة لاعتمادها كحدود بحرية مثبتة بين لبنان والعدو الإسرائيلي، ولهذا يُمكن أن تمرّ من دون موافقة مجلس النوّاب عليها، فإنّ إبرامها أو التوقيع عليها يتطلّب موافقة الحكومة. والحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال لا تجتمع، إِلَّا في الحالات الطارئة، ولا يُمكن اعتبار إتفاقية الترسيم أمراً طارئاً. من هنا قد يكون لبنان أمام أزمة توقيع الإتفاقية، إِلَّا إذا جرى تشكيل الحكومة الجديدة ونالت ثقة مجلس النوّاب خلال الأسابيع الثلاثة المتبقية من عهد الرئيس عون. كذلك فإذا كان يقتضي الأمر موافقة مجلس النوّاب عليها، وهو شرعي وجديد، فمن غير المؤكّد أنّ جميع الكتل النيابية ستُوافق على هذه الإتفاقية، رغم أهميتها بالنسبة للبنان واللبنانيين في هذه المرحلة بالذات، كونها لا تريد حصول أي إنجاز في عهد الرئيس عون، وقد سعت من أجل تحقيق هذا الأمر.
وفيما يتعلّق بالعدو الإسرائيلي، فيبدو على ما ذكرت الاوساط، أنّ لابيد يودّ إنجاز الإتفاقية قبل الإنتخابات التشريعية في 1 تشرين الثاني المقبل، مع أو من دون موافقة “الكنيست” أو المحكمة العليا عليها، والتي ستجتمع في 27 تشرين الجاري لمناقشتها. ولهذا أعلن أنّه إتفاق تاريخي يُلبّي مطالب بلاده القانونية والأمنية والإقتصادية كافة، وسيُعزّز أمن “إسرائيل” وسيضخّ المليارات في اقتصادها وسيكفل استقرار حدودنا الشمالية، بهدف الترويج له إيجاباً أمام الرأي العام. علماً بأنّ أحد المسؤولين “الإسرائيليين” أعلن أنّه “من المتوقَّع أن تعلن “إسرائيل” موافقتها النهائية على اتفاق الترسيم بغضون 3 أسابيع”.
وعمّن حقّق الإنتصار في هذه الإتفاقية ما دام كلّ طرف قد أعلن عن أنّها تلبِّي مطالبه، أجابت الأوساط عينها بأنّ هوكشتاين استطاع التوصّل بعد أشهر من المفاوضات، ولا سيما خلال الأيام والساعات الماضية من التفاوض المتواصل والمضني وغير المباشر، الى “اتفاق عادل” على قاعدة Win-Win وليس Win-Lose. الأمر الذي لا يجعل أي طرف يجد نفسه خاسراً بل رابحاً كونه حقّق كلّ ما يريده من هذا الإتفاق. ولكن يُمكن القول بأنّ لبنان حقّق تقدّماْ من خلال هذه الإتفاقية، أو خطوة إيجابية على العدو الإسرائيلي، لأنّ الإتفاقية ساوت بين مطالب الجانبين، في حين أنّ “الإسرائيلي” لم يعتد طوال تاريخه على التوقيع على اتفاقية لا يكون فيها هو الرابح دائماً والطرف الآخر خاسراً.
يبقى القول أنّه على الجانبين في حال إعطاء موافقتهما النهائية على الصيغة المعدّلة للإتفاقية الذهاب الى طاولة الناقورة لتحضير الرسالتين برعاية أممية ووساطة أميركية لضمان تنفيذها، وإيداعها لدى الأمانة العامَّة للأمم المتحدة. وتتوقّع الاوساط حصول هذا الأمر قبل نهاية عهد الرئيس عون، أي خلال الأسابيع المتبقية منه، لأنّه في حال تأجّل التوقيع لما بعده، بسبب أحد الطرفين، فإنّ الإتفاقية قد تعود مجدّداً الى نقطة الصفر. غير أنّ الحماس الأميركي ومجيء وفد شركة “توتال” الى لبنان في تشرين الأول، كما سبق وذكرت جريدة “الديار” في مقال سابق، ما يؤكّد على قرب بدء وتسهيل عملها في البلوك 9، يُنبئان بأنّ الإتفاقية أصبحت فعلاً في أمتارها الأخيرة.


