أخبار لبنانابرز الاخبار

صفير في المؤتمر المصرفي العربي: ملتزمون بإعادة بناء رساميلنا وإستعادة ثقة المودعين

ألقى رئيس جمعية المصارف سليم صفير في افتتاح المؤتمر المصرفيِّ العربيِّ السنويِّ الذي ينعقدُ تحتَ عنوانٍ: “الاستثمارُ في الإعمارِ ودورُ المصارفِ”، كلمة جاء فيها:

إنَّ اختيارَ بيروتَ لاستضافةِ هذا المؤتمرِ في هذا التوقيتِ بالذاتِ ليس مصادفةً، بل هو رسالةُ أملٍ وإصرارٍ على النهوضِ من جديدٍ، وعنوانُ ثقةٍ بأنَّ لبنانَ بدأ يستعيدُ عافيتَه ودورَه.

كلُّ الشكرِ للقائمين على تنظيمِ هذا المؤتمرِ على ثباتِهم في إقامته، وفي العاصمةِ اللبنانيَّةِ بالذات.

أيُّها الحضورُ الكرام،

لا يخفى على أحدٍ منكم ما مرَّ به القطاعُ المصرفيُّ اللبنانيُّ منذُ أحداثِ تشرينَ الأوَّلِ عامَ ٢٠١٩ وما تلاها من انهيارٍ اقتصاديٍّ غيرِ مسبوقٍ. لقد واجهْنا عاصفةً عاتيةً تسبَّبت بها عقودٌ من السياساتِ الماليَّةِ الخاطئةِ، والإنفاقِ العامِّ غيرِ المنضبطِ، والمصارفُ اللبنانيَّةُ، التي كانت يومًا فخرَ المنطقةِ ورائدةَ الابتكارِ الماليِّ العربيِّ، وجدت نفسَها في قلبِ أزمةٍ متعدِّدةِ الأبعاد: أزمةِ ثقةٍ، وأزمةِ سيولةٍ، وأزمةِ نظامية ٍ لا تتحملْ المصارف مسؤوليَتَها .

لكنَّنا صمَدْنا، وحافظْنا على بنيتِنا المؤسَّساتيَّة، واستمررْنا في خدمةِ عُملائِنا رغمَ كلِّ الصعوبات.

أيُّها الحضورُ الكريم،

احترامًا للواقعِ والتزامًا بالشفافيَّةِ في المواقفِ، لا بُدَّ لي هنا من أن أتوقَّفَ عند مسألةٍ في غايةِ الأهمِّيَّة.

لقد تعرَّض القطاعُ المصرفيُّ اللبنانيُّ لحملاتٍ ظالمةٍ ومُمنهَجةٍ، حُمِّل خلالها زورًا مسؤوليَّةُ الفجوةِ الماليَّةِ الهائلةِ في البلاد.

لنكنْ واضحين: المصارفُ لم تُنفِقِ الأموالَ على رواتبَ ضخمةٍ لموظَّفي القطاعِ العامِّ، ولم تُهدِرِ الملياراتِ على مشاريعَ وهميَّةٍ، ولم تتورَّطْ في صفقاتِ فسادٍ.

المصارفُ كانت تقومُ بدورِها في تمويلِ الدولةِ بناءً على نظامٍ كاملٍ كان قائمًا، نظامٍ شاركتْ فيه كلُّ مؤسَّساتِ الدولة.

من هنا فإنَّ محاولةَ تحميلِ المصارفِ وحدَها مسؤوليَّةَ انهيارِ نظامٍ ماليٍّ بأكمله، هي ظلمٌ صارخٌ وتشويهٌ مُتَعمَّدٌ للحقائق.

نحن نرفضُ أن نكونَ كبشَ فداءٍ لعقودٍ من السياساتِ الخاطئةِ والفسادِ الماليِّ والإداريِّ.

إلّا أنَّنا، ورغمَ كلِّ ما مرَرْنا به، فنحن ننظرُ إلى المستقبل بأملٍ وثقةٍ بعهدِ فخامةِ رئيسِ الجمهوريَّةِ العمادِ جوزاف عون، وحكومةِ دولةِ الرئيسِ نواف سلام، وفي ولايةِ حاكمٍ جديدٍ لمصرفِ لبنان الدكتور كريم سعيد ونُوَّابِ الحاكم، ونرى أنَّ كلَّ ذلك يُشكِّلُ فرصةً تاريخيَّةً لبدايةٍ جديدةٍ.

نحن نثقُ بالعهدِ الجديدِ وبالتزامِه بالإصلاحِ الحقيقيِّ، ونثقُ بأنَّ الإرادةَ السياسيَّةَ موجودةٌ اليومَ لاتخاذِ القراراتِ الصعبةِ ولكنِ الضروريَّةِ.

نحن كقطاعٍ مصرفيٍّ مستعدُّون للتعاونِ الكاملِ مع السُلُطاتِ الجديدة، للعملِ معًا على بناءِ نظامٍ ماليٍّ سليمٍ وشفَّافٍ يخدمُ المصلحةَ الوطنيَّةَ.

اليومَ، ونحن إذ نقفُ على عتبةِ مرحلةٍ جديدةٍ، نعي تمامًا حجمَ التحدِّياتِ التي تنتظرُنا: إعادةُ هيكلةِ القطاعِ المصرفيِّ ليست خيارًا، بل ضرورةً وطنيَّةً.

نحن ملتزمونَ بالعملِ على:

 أوّلًا، إعادةِ بناءِ رساميلِ المصارفِ وفقَ المعاييرِ الدوليَّةِ، بما يضمنُ متانةً ماليَّةً حقيقيَّةً / وقدرةً على مواجهةِ التحدِّياتِ المستقبليَّة.

 ثانيًا، استعادةِ الثقةِ مع المودعين والمستثمرين من خلالِ الشفافيَّةِ الكاملةِ والالتزامِ بأعلى معاييرِ الحوكمةِ.

 ثالثًا، تطويرِ منتجاتِنا وخدماتِنا لتلبيةِ احتياجاتِ اقتصادِ القرنِ الواحدِ والعشرين، مع التركيزِ على الابتكارِ والتحوُّلِ الرقميِّ.

وفي سياق الحديث عن التحدّيات التي يواجهها القطاع المصرفي، أودّ أن أتوجّه إلى معالي وزير المال، الحاضر بيننا اليوم ممثّلًا لفخامة رئيس الجمهورية، بالتأكيد على أنّ معاليه لطالما كان قريباً من شؤون المصارف واطّلاعاً على شجونها.

رغم ذلك، إنّ جمعية المصارف تشعر حالياً بأنّ دورها في مناقشات مشاريع القوانين التي تعنيها يبقى استشارياً في الشكل أكثر منه شراكة فعلية في المضمون، وهو ما يحدّ من قدرتها على المساهمة البنّاءة في إيجاد الحلول.

وانطلاقاً من ذلك، نَأمَلْ—ونحن واثقون من حرص معاليكم—أن يُعاد النظر في آلية التعاطي مع هذا القطاع بما يسمح بتعاون أعمق وأكثر فاعلية، خدمةً للمصلحة الوطنية التي نلتقي جميعاً حولها، وبما ينعكس إيجاباً على جهود إنقاذ وإعادة تنشيط القطاع المصرفي.

أيُّها الحضورُ الكريم،

رؤيتُنا إلى المستقبلِ تقومُ على أنَّ دورَ المصارفِ في المرحلةِ المقبلةِ يتجاوزُ كونَها مجرَّدَ وسيطٍ ماليٍّ.

نحن شريكٌ استراتيجيٌّ في إعادةِ بناءِ الاقتصادِ الوطنيِّ.

لن يكونَ هناك إعمارٌ حقيقيٌّ من دونِ تمويلٍ مصرفيٍّ سليمٍ، ولن يكونَ هناك نموٌّ اقتصاديٌّ مستدامٌ من دونِ قطاعٍ مصرفيٍّ قويٍّ وفاعلٍ.

نحن ملتزمونَ بالعملِ يدًا بيدٍ مع القطاعاتِ الإنتاجيَّةِ اللبنانيَّة: الصناعةِ، الزراعةِ، السياحةِ، التكنولوجيا، والخدماتِ، وإنَّ هَدَفنا هي تحويلُ المدَّخراتِ إلى استثماراتٍ منتجةٍ، وتمويلُ المشاريعِ التي تخلقُ فرصَ العملِ وتولِّدُ القيمةَ المضافةَ.

لبنانُ بحاجةٍ إلى شراكةٍ حقيقيَّةٍ بين القطاعِ المصرفيِّ والقطاعاتِ الاقتصاديَّةِ الأخرى، شراكةٍ تقومُ على الثقةِ المتبادلةِ والمصلحةِ الوطنيَّةِ العُليا.

ونحن مستعدُّون لتحمُّلِ مسؤوليَّتِنا كاملةً في هذا المسارِ.

نحن ندعو إلى حوارٍ بنَّاءٍ، إلى سياساتٍ واضحةٍ، وإلى خطَّةِ إصلاحٍ شاملةٍ تُعالجُ الجذورَ الحقيقيَّةَ للأزمةِ.

نحن بحاجةٍ، لا بل لبنانُ بحاجةٍ، إلى من يتَّخذُ قراراتٍ واضحةً متكاملةً وحاسمةً تُؤدِّي إلى حلٍّ مستدامٍ، والمصارفُ جاهزةٌ لأن تكونَ جزءًا من الحلِّ لا ان تتحمّل وحدها مسؤوليةَ ما حصل ، لكنَّ الحلَّ يجب أن يكونَ عادلًا وشاملًا ويضعَ كلَّ مؤسَّسةٍ أمامَ مسؤوليَّاتِها الحقيقيَّةِ.

أيُّها الحضورُ الكرام،

دعوني أختُمْ بحقيقةٍ بسيطةٍ لكنَّها جوهريَّةٌ:

لا يمكنُ لأيِّ اقتصادٍ أن ينهضَ ويزدهرَ من دونِ قطاعٍ مصرفيٍّ قويٍّ وفاعلٍ.

هذه ليست مبالغةً، بل واقعٌ تُثبِتُه التجاربُ في كلِّ أنحاءِ العالمِ.

وبدونِ مصارفَ قويَّةٍ، لن يكونَ هناك تمويلٌ للمشاريعِ، لن يكونَ هناك دعمٌ للشركاتِ الصغيرةِ والمتوسِّطةِ، لن يكونَ هناك قروضٌ سكنيَّةٌ أو تمويلٌ للتعليمِ أو دعمٌ للابتكارِ.

لذلك، فإنَّ أيَّ محاولةٍ لإضعافِ القطاعِ المصرفيِّ أو تدميرِه، سواءٌ من هي في نهايةِ المطافِ محاولةٌ لتدميرِ الاقتصادِ الوطنيِّ بأسره.

إنَّنا نَتَطلَّعُ إلى تعاونٍ حقيقيٍّ، إلى شراكةٍ وطنيَّةٍ بين كلِّ مكوِّناتِ المجتمعِ اللبنانيِّ،  وأن ننتقلَ إلى خطابِ المسؤوليَّةِ والبناءِ.

إمَّا أن نستمرَّ في تبادُلِ الاتهاماتِ والتشكيكِ، وفي الحالةِ سنبقى في دوَّامةِ الانهيارِ، وإمَّا ، وأن نعملَ معًا، كلٌّ من موقعِه، على بناءِ لبنانَ جديدٍ.

القطاعُ المصرفيُّ اللبنانيُّ، لا يزالُ واقفًا وقادرًا، وملتزمًا بخدمةِ الوطنِ.

نحن نمدُّ يدَنا للجميعِ: من أجلِ عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ يقومُ على الثقةِ والشفافيَّةِ والعدالةِ.

شكرًا لكم، وأتمنَّى لمؤتمرِنا كلَّ النجاحِ

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى