خاص – رغم انقطاعها المستمر .. لماذا يتصدّر لبنان دول المنطقة لناحية ارتفاع تكلفة الكهرباء؟

وفقاً لدراسة اجراها موقع “World Population Review” قارن فيها تكلفة الكهرباء لكل كيلوواط ساعة (kWh) عبر 146 دولة حول العالم، برز لبنان كالدولة ذات التكلفة الأعلى للكهرباء والتي بلغت 0.137 د.أ. لكل كيلوواط ساعة مع احتلاله للمرتبة 74 في العالم.
وفي ظل انقطاع الكهرباء المزمن في لبنان ، تحمل هذه الارقام تناقض يعكس عمق الخلل في بنية هذا القطاع الذي يختصر أزمات الدولة ككل.
ووفقاً للخبير الإقتصادي الدكتور بلال علامة “الكهرباء في لبنان تُنتَج وتُدار وفق نموذج اقتصادي وإداري مشوّه يتداخل فيه الفساد مع غياب الرؤية والتخطيط، ما جعل المواطن يدفع أثماناً مضاعفة مقابل خدمة غير متوافرة”.
وحول أسباب ارتفاع هذه الكلفة، قال علامة في حديث لموقعنا Leb Economy “تبدأ الأسباب من تركيبة مجلس الإدارة المشرف على مؤسسة كهرباء لبنان، فإذا كان المدير العام معين منذ 2002 ومارس كل مهاراته الكهربائية حتى إنقطعت الكهرباء بالكامل خلال الأعوام السابقة ويُعوّل عليه لإصلاح المؤسسة اليوم، وإذا كانت البنية التحتية المهترئة لمحطات الإنتاج التي تعمل على الفيول الثقيل والديزل بدل الغاز الطبيعي الأرخص والأقل تلويثاً، فهذا ما يجعل كلفة الكيلواط المنتَج في لبنان من الأعلى في العالم. كما أن الاعتماد المزمن على البواخر والمشتريات الطارئة زاد من الكلفة التشغيلية بسبب غياب المناقصات الشفافة وعقود التوريد طويلة الأمد بأسعار تنافسية”.
وأشار علامة إلى ان “احد اهم اسباب ارتفاع كلفة الكهرباء في لبنان هو الهدر التقني وغير التقني الذي يشكل نحو 40% من الإنتاج نتيجة الشبكات القديمة والسرقات المنتشرة في مناطق تغطي أكثر من نصف مساحة لبنان “ما يعني أن جزءاً كبيراً من الكهرباء المولَّدة يُهدر قبل أن يصل إلى المستهلك ويُعوَّض هذا الفاقد عبر رفع الأسعار”.

كما لفت علامة إلى أن “مؤسسة كهرباء لبنان تعمل منذ سنوات بعجز مالي ضخم مموَّل من الخزينة العامة ما جعل الدين العام يتحمّل عبء دعم الطاقة لعقود طويلة من دون أي إصلاح هيكلي”، معتبراً أن “هذا الدعم المزمن خلق حلقة مفرغة: الدولة تدعم مؤسسة خاسرة والمواطن يدفع فاتورتين واحدة للمؤسسة وأخرى للمولد الخاص الذي بدوره يعتمد على المازوت المستورد بأسعار مرتفعة ويعمل من دون تنظيم أو رقابة فعلية”.
إضافة إلى ذلك تحدث علامة عن سبب آخر لارتفاع كلفة الكهرباء وهو تأخر لبنان في الانضمام إلى مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي وعدم الإستفادة من فائض الطاقة لدى الدول المجاورة الذي ضيّع عليه فرصاً لشراء الكهرباء بأسعار تفضيلية، كما أن تعطيل مشاريع الغاز سواء من مصر عبر الأردن أو من الحقول البحرية اللبنانية أبقى الإنتاج رهينة الوقود الأغلى ثمناً. أما سياسياً، فرأى علامة أن غياب سلطة القرار واحتكار التعيينات داخل المؤسسة أدّى إلى ترسيخ إدارة زبائنية تفتقر إلى الكفاءة والمساءلة، “فإستُبدلت الحلول التقنية بقرارات مؤقتة ومسكنات سياسية ونستطيع القول أن كل إدارة قطاع الكهرباء مؤسسة ووزارة باتت فاقدة لأي خطة وتضم عناصر غير كفوءة لا يمكن من خلالها توقّع إصلاح أو النهوض بقطاع الكهرباء”.
ورداً على سؤال حول كيفية تخفيض كلفة الكهرباء، رأى علامة أنه يتطلب أولاً إصلاحاً جذرياً يبدأ بتحويل القطاع من عبء إلى مؤسسة منتجة ومستقلة مالياً عبر تحريره جزئياً وفتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص في الإنتاج والتوزيع مع وضع أطر تنظيمية واضحة. كما يجب الانتقال تدريجياً إلى الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة لتخفيض الكلفة التشغيلية وتحديث الشبكات لتقليص الهدر وربط الأسعار بالكلفة الفعلية للإنتاج لا بالمزايدات السياسية.
وفي الختام، اكد علامة ان “وحده إصلاح حوكمة القطاع واعتماد الشفافية في المناقصات وتفعيل الرقابة المستقلة يمكن أن يضع حداً لهذا النزيف المستمر وأن يجعل الكهرباء حقاً ميسّراً لا رفاهية مستحيلة في بلدٍ يدفع أغلى فاتورة مقابل أكثر خدمة انقطاعاً”.




