أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

اقتراع المغتربين: بين السياسة والقانون (I) (الجمهورية ١٠ تشرين الأول)

تلعب قوانين الإنتخابات النيابية دوراً أساسياً في تكوين الأنظمة السياسية، لكَونها تُشكّل الإطار القانوني للتمثيل الديموقراطي. فتنظيم الانتخابات الحُرّة بشكل دَوري هو المعيار المُعتمد على الصعيد الدولي لتقييم الطابع الديموقراطي للنُظم السياسية. غير أنّ اقتران الانتخابات بالديموقراطية لا يعني أنّ القوانين الانتخابية بمنأى عن التأثيرات والمصالح السياسية.

سُئل يوماً النائب الفرنسي أندريه سانتيني، الشهير بخفّة ظله، «ما هو أفضل نظام انتخابي؟»، فكان جوابه: «إنّ أفضل نظام انتخابي هو الذي يضمَن لي الفوز». يُفسّر هذا الجواب لعبة شدّ الحبال والسجالات بين القوى السياسية حول مسألة اقتراع المغتربين، بينما لا تتورّع هذه القوى عن الادّعاء بأنّ هذا التبايُن في مقاربة الموضوع يهدف إلى تمثيل حقيقي لإرادة المغتربين.

ضمن إطار هذا التبايُن تنقسم القوى السياسية إلى فريقَين: فريق لا يزال يؤيّد استحداث دائرة انتخابية سادسة عشرة، فيُنتخَب 6 نواب يمثلون المغتربين، طبقاً لنص المادّتَين 112 و122 من القانون رقم 44 الصادر بتاريخ 17/6/ 2017، وفريق آخر يطرح إلغاء هاتَين المادتَين ليقترع المغتربون لـ128 نائباً، على غرار ما حصل، بصورة استثنائية، في انتخابات سنة 2018 وسنة 2022. فبعد أن منحت المادة الثالثة من القانون حق التصويت للمغتربين، نصّت المادة 122 منه على أن تُضاف 6 مقاعد لغير المقيمين إلى عدد النواب ليصبح 134 نائباً في الدورة الانتخابية لسنة 2022، التي ستجري وفق هذا القانون. وفي الدورة اللاحقة (أي دورة سنة 2026) يُخفّض 6 مقاعد من عدد النواب إلى 128 من نفس الطوائف التي خُصِّصت لغير المقيمين. وتُوزَّع هذه المقاعد بالتساوي بين القارات الـ6 وبين المسيحيِّين والمسلمين، فيُعطى مقعد واحد لكل من الموارنة، الأرثوذكس، الكاثوليك، السنّة، الشيعة، والدروز.

إلّا أنّ الأمور لم تسِر كما هو مُخطَّط لها. ففي 23 تشرين الثاني 2021، أُصدِر قانون رقم 8/2021 يقضي بتعليق العمل، لمرّة واحدة، بالمادّتَين 112 و122 من القانون رقم 44/2017، على أن يُعمَل بهما في انتخابات سنة 2026. وهذا ما يُفسّر إصرار الأطراف السياسية المناهضة لهذا النظام على تقديم اقتراحات القوانين المعجّلة والعرائض النيابية، وحتى مقاطعة الجلسات النيابية، بهدف إلغاء هاتَين المادّتَين.

ممّا لا رَيب فيه، أنّ الانعكاسات المباشرة لقانون الإنتخاب على حجم التمثيل في مجلس النواب، أدّت إلى تداخل الأبعاد القانونية والسياسية في الحُجَج المُساقة من طرفَي النزاع. لذلك، وحرصاً منّا على وضوح البحث، سنبدأ بدراسة الأبعاد القانونية، قبل الإنتقال إلى الأبعاد السياسية (في مقال ثانٍ).

الأبعاد القانونية

تتمحوَر هذه الأبعاد حول مسألتَين: الطبيعة القانونية لصلاحية رئيس المجلس، ودستورية المادة 112 من قانون الإنتخاب رقم 44/2017.

1 – صلاحية رئيس مجلس النواب: استنسابية أم مقيّدة؟

ضمن إطار النزاع السياسي حول مسألة اقتراع المغتربين، وقّع 61 نائباً معارضاً لاستحداث 6 مقاعد خاصة بالمغتربين، على عريضة تحث رئيس المجلس على أن يطرح على الهيئة العامة اقتراح قانون مُعجّل مُكرّر يُلغي هذه المقاعد. إثر رفض رئيس المجلس لهذا الطلب بدأت بعض الأصوات النيابية تطالب الحكومة بوضع مشروع قانون مُعجّل مُكرّر طبقاً للمادة 58 من الدستور، لتجاوز معارضة رئيس المجلس. لذلك، يتعيّن بيان ما إذا كانت صلاحية رئيس المجلس في هذا المجال صلاحية استنسابية أم صلاحية مقيّدة، وذلك في ما يتعلّق بالعريضة النيابية أو ضمن إطار المادة 58 من الدستور.

– العريضة النيابية

تنصّ المادة 46 من النظام الداخلي على ما يلي: «تدرس هيئة مكتب المجلس العريضة… وتُقرّر إمّا حفظها أو إحالتها على اللجنة الدائمة المختصة… ولها أن تعرضها على المجلس بهيئته العامة». يتضح ممّا تقدّم، أنّ مكتب المجلس يتمتّع بسلطة استنسابية واسعة في ما يتعلّق بمصير العرائض. كذلك، تجدر الإشارة إلى أنّه طبقاً لمنطوق هذه المادة، أُحيلَت العريضة الآنفة الذكر على اللجنة النيابية المختصة.

إنّ توقيع 61 نائباً على العريضة يمنحها، بلا رَيب، ثقلاً معنوياً كبيراً، ويزيد من قوّة تأثيرها السياسي. إلّا أنّ ذلك لا يؤثر مطلقاً على الطبيعة القانونية لصلاحيات هيئة مكتب المجلس.

– المادة 58 من الدستور.

في ما يتعلق بدعوة الحكومة إلى استعمال المادة 58 من الدستور، من الصعب القول إنّ هذه الوسيلة تؤدّي إلى تجاوز معارضة رئيس المجلس. فهذه المادة تنصّ على أنّ: «كل مشروع قانون تُقرّر الحكومة كَونه مستعجلاً… يمكن لرئيس الجمهورية بعد مضيّ 40 يوماً من «طرحه» على المجلس، وبعد إدراجه في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها ومضي هذه المهلة من دون أن يُبَتّ فيه، أن يصدر مرسوماً قاضياً بتنفيذه…».

إنّ كل مُتابع للحياة النيابية اللبنانية يعلم مدى الشعور بالمرارة الذي عانته السلطة التشريعية من هذه المادة، إذ أصبحت، بعد سنة 1958، من الطرق العادية لإصدار القوانين. إذ كانت الحكومات تُغرق المجلس النيابي بمشاريع القوانين المستعجلة، ثم تنشرها بعد مرور 40 يوماً من تاريخ تسجيلها في قلم المجلس. وتخلّل هذه المرارة شعور بالغبن الطائفي وبالاستخفاف بالبرلمان وبرئيسه الشيعي من قِبل السلطة التنفيذية برأْسَيْها الماروني والسنّي (حول استياء الرئيسين كامل الأسعد وحسين الحسيني من هذا الغبن، انظر بشارة منسّى، الدستور اللبناني، أحكامه وتفسيرها ص. 353 وما يليها).

في جلسة مجلس النواب الذي أقرّ فيها دستور الطائف، اقترح الأستاذ بطرس حرب تعديل المادة 58 كما يلي: «كل مشروع قانون تُقرّر الحكومة كَونه مستعجلاً… «يجب» تلاوته في أول جلسة يعقدها مجلس النواب…». بالنسبة إلى الأستاذ حرب يجب أن «لا نترك للحكومة أن تتحكّم فينا ولا نتحكّم فيها نحن… فعندما تُرسِل الحكومة مشروعاً معجّلاً… ساعة يشاء مكتب المجلس يضع هذا المشروع على جدول الأعمال أو ساعة يشاء يضعه في الجارور». إلّا أنّه لم يُؤخَذ بهذا الاقتراح، بحجة أنّ الموضوع سيُحسم أثناء تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب (أنظر خالد ملكي، الوثائق الدستورية اللبنانية، صادر، صفحة 311 وما يليها).

أثناء تعديل النظام الداخلي سنة 1991، جدّد الأستاذ بطرس حرب اقتراحه لكَيْ لا «ينام المشروع في أدراج المجلس سنة أو سنتَين…». إلّا أنّ الاقتراح اصطدم بمعارضة الرئيس الحسيني، الأمر الذي دفع المرحوم خاتشيك بابكيان إلى الخلاصة بقوله «إنّ طرح المشروع على المجلس غير مقيّد بشيء». (إنظر أحمد زين، النظام الداخلي لمجلس النواب، صفحة 417 وما يليها). فالنظام الداخلي لا يزال ينصّ في المادة 109: «للرئيس (وليس يجب) طرح الاقتراح أو المشروع المعجّل على المجلس في أول جلسة يعقدها بعد تقديمه…»، ممّا يُعطي رئيس المجلس صلاحية استنسابية تامة. مقابل هذه الحجة القانونية التي يتسلّح بها دعاة المدافعين عن الدائرة الانتخابية الخاصة بالمغتربين، تبرز الهشاشة الدستورية للنص الذي يُنشئ هذه الدائرة.

إنّ المادة 112 من القانون رقم 44/2017، تُشكّل مخالفة صريحة للمادة 24 من الدستور التي تنصّ على توزيع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد التالية:

«أ – بالتساوي بين المسلمين والمسيحيِّين،

ب – نسبياً بين طوائف كل من الفئتَين،

ج – نسبياً بين المناطق».

لا رَيب أنّ المناطق التي تُشير إليها المادة 24 هي المناطق اللبنانية وليس القارات الـ6. كذلك، فإنّ الدستور اللبناني لا يُشير إلى إمكانية تمثيل المغتربين في مجلس النواب، وذلك خلافاً للدستور الفرنسي الذي يُؤمّن ركيزة دستورية لاقتراع الفرنسيِّين في الخارج لاختيار 11 نائباً و12 عضواً في مجلس الشيوخ، عندما ينصّ في المادة 24 منه على مبدأ تمثيل الفرنسيِّين المقيمين خارج فرنسا في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ.

من المعلوم أنّه لم يُطعَن في القانون رقم 44/2017 أمام المجلس الدستوري، ممّا أدّى إلى دخوله حيّز التنفيذ من دون أي مراقبة. فهل من أمل في أن يتمكن يوماً المجلس الدستوري من مراقبة هذا القانون؟ للوهلة الأولى يبدو أنّ الجواب سلبي. فالفقرة الأخيرة من المادة 19 من قانون إنشاء المجلس الدستوري تمنع قبول أي مراجعة تُقدَّم إلى المجلس الدستوري بعد انقضاء «… مهلة 15 يوماً تلي نشر القانون في الجريدة الرسمية». إلّا أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ الاجتهاد الدستوري يسمح بمراقبة النصوص التشريعية النافذة في معرض مراقبته للقانون الذي يعدّلها.

(V. C.C.F. n° 85-187 DC du 25 janvier 1985).

ففي حال تعديل القانون 44/2017 والطعن في قانون التعديل، ليس من المُسْتَبعد أن يُبطل المجلس الدستوري المواد المتعلقة بإنشاء الدائرة الانتخابية الخاصة بالمغتربين.

بواسطة
د. سليم الزيبق
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى