أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

إصلاحات تسبق البناء (اللواء ٣١ أيار)

لا يُرضي الوضع اللبناني الحالي اللبنانيين في السياسة والاقتصاد والادارة والاجتماع ولا بد من أن نتفق عاجلا أم آجلا على سلسلة اصلاحات تؤسس للبنان المستقبل.لا اصلاحات من دون تضحيات. الزيادات السكانية كبيرة والنمو الاقتصادي ضعيف مما يؤكد على أن اللبناني يصبح أفقر من سنة لأخرى. تبعا لأرقام صندوق النقد الدولي، كان الناتج المحلي الاجمالي يساوي 55 مليار دولار في 2018 وأصبح 16 مليار دولار في 2023، انخفاض كارثي بكل المعايير. عوض أن نتسابق للبناء، ها نحن نركض نحو الأسفل علما أننا ندرك تماما ماذا نفعل.
كي يشعر المواطن بالراحة النفسية والمادية في بلده، لا بد من تطبيق سلسلة اصلاحات تؤدي الى تقوية النمو وبالتالي تحسين الوضع المعيشي والحياتي للجميع. تكمن المشكلة اليوم في التعطيل السياسي المفروض الذي يمنع عمليا اعادة تكوين السلطة التي من دونها لا أمل في عودة الحياة الى شرايين الدولة. تكمن المشكلة أيضا في وجود أعداد كبيرة في الفلسطينيين والسوريين لا يستطيع الاقتصاد اللبناني استيعابهم ولا تستطيع الديموغرافيا معالجة ثقلهم الانساني من ناحيتي الانتاج والاستهلاك. كل هذه الأمور بالاضافة الى عوامل أخرى مرتبطة بالأمن والسياسة تمنع الآن على لبنان التعافي ولعب دوره التاريخي كصلة وصل بين الثقافات. لبنان اليوم جامد في أوضاعه والجمود يعني دائما تراجعا لأن العالم الخارجي يتقدم. لا شك أن المسؤولية تقع أولا على سياسيي الداخل وثم علينا كمواطنين قبل أن نتهم الخارج القريب والبعيد.

هذا لا يعني أن علينا أن نبقى متفرجين على ما يحصل وأن نتلقى فقط الضربات الموجعة التي لا تؤخرنا فقط عن التقدم بل تمنع علينا أيضا تحمل أوجاع أوضاعنا الحالية الخطرة. ما هي الأمور السياسية والادارية والقانونية التي يمكن وضع الأطر العملية لها والتي يجب أن تنفذ مع بدء النظام الجديد؟.
أولاً: في الادارة المدنية السياسية يجب أن ننتقل من النظام الاداري «الملكي» الى نظام الكفاءات. هذا يعني انه ممنوع جمع الوظائف العامة التي تخلق نفوذا كبيرا وفسادا أكبر، أي ممنوع جمع النيابة والوزارة مثلا. ممنوع الحفاظ على أي مركز سياسي واداري أكثر من 10 سنوات متتالية مثلا منعا لتشكيل نفوذ يؤسس لقواعد فساد لا يمكن الا أن تكون مضرة. هنالك ضرورة أيضا لنقل موظفي الفئة الأولى من مركز الى آخر كل 5 سنوات مثلا منعا لتكوين سلطة فساد تقضي على حقوق المواطن. هذه الاجراءات هي من ضمن مجموعة قوانين وقواعد ادارية تهدف الى ضرب الفساد قبل أن يعشعش في أرجاء الادارة وعقول الاداريين. يجب أن نرفض نظام الوراثة في السياسة والادارة وكلنا نشكو منه دون أن نلغيه عمليا عبر الانتخابات والتوعية. المطلوب وضع قوانين جديدة تنوه بالموظفين الصالحين وتعاقب الفاسدين ضمن معايير العقل والمنطق والعدل. لا نخترع البارود، لكن يمكن أن نستفيد من تجارب الغير الكبيرة في أرقى الدول. لا وجود لدولة فاعلة عادلة منتجة من دون ادارة عصرية منتجة ونظام أحوال شخصية واحد.
يجب أن ننتقل من نظام المجموعات الى النظام المدني الواحد وهذا مطلب عام، لكن المستفيدين من الفساد الحالي يؤخرون الانتقال عبر حجج غريزية واضحة تمنع التقدم والانتقال الى النظام الحديث التي سبقتنا اليه معظم الدول حتى في منطقتنا.
ثانيا: في الثقافة التي تبنى عليها الأوطان والأجيال الجديدة، لا بد من مراجعة برامج التعليم بدأ من المدرسة لأن الثقافة هي ليست فقط تعلما بل خاصة انتاجا وهذا ما تأخرنا به بسبب الأوضاع السلبية العامة وغياب التمويل وهجرة المثقفين الى الدول التي تحترمهم وتحافظ عليهم وعلى انتاجهم. يحاول لبنان ثقافيا، لكن المطلوب اعطاء أهمية أكبر للانتاج الثقافي بدأ من الصفوف المدرسية الأولى. الثقافة واسعة جدا والوزارة الحالية بالرغم من الجهود المبذولة تعطي الانطباع بأن ما ينقصها، بالاضافة الى التمويل، الجهاز البشري المتخصص في ميادين عديدة واسعة. لكن ما يقلقنا اليوم هو الوضع التعليمي العادي والمهني والتقني وما اتفق عليه من ناحية الامتحانات الرسمية التي تسهل النجاح بدل أن تكون امتحانات تقيم جديا الطلاب والأساتذة والبرامج. مفهوم أن الأوضاع العامة الحالية تمنع القيام بامتحانات مثالية انما المطلوب أيضا هو ضرورة أن تحافظ هذه الامتحانات على الاحترام والتقدير ليس فقط داخليا وانما خاصة خارجيا لمصلحة الشابات والشباب ولبنان. المطلوب اعادة النظر في ركائز ومحتوى هذه الامتحانات وتعديلها جذريا بدأ من 2025.

ثالثا: أهملنا في لبنان موضوع المناخ والبيئة المتشعب جدا في تأثيراته. اتقنا الكلام البليغ الفارغ عنه، لكن الفعل ناقص ولبنان غارق في التلوث الهوائي والمائي والجوي مما يؤثر سلبا على صحتنا جميعا. هل نراجع ما وقعنا عليه من اتفاقيات منذ عقود حتى مؤتمر دبي COP28 لتطبيقها؟ هل وضعنا البرامج المدروسة التي تؤدي الى التطبيق الجيد؟ عمليا، لم نأخذ بعد كمجتمع التحديات البيئية جديا، اذ لم يقتنع المجتمع بعد بأهميتها لذا يجري التعامل معها بسطحية. نطالب الدولة بوضع سياسة بيئية متكاملة تتضمن ضريبة على التلوث يمكن اقتباس خصائصها من عشرات الدول التي طبقتها. لن نشعر بتكلفة ما أهملناه الا بعد عقود أي بعد أن يكون فات الأوان علينا وعلى الأجيال المستقبلية.
تكلفة هذه الاصلاحات تكون عادة أكبرعلى الدول الصغيرة التي لا تستطيع تعديل معايير القوانين، اذ يفرض عليها عمليا تنفيذ ما اتفقت عليه الدول الكبرى. هذا يعني أيضا أن علينا أحيانا تنفيذ قواعد دولية لا تعجبنا، وهذا ما يحصل ليس فقط بيئيا وانما أيضا ماليا وتجاريا وتربويا وقضائيا وفي معايير الاتصالات والبنية التحتية من شبكات نقل برية وجوية ومائية.

بواسطة
د. لويس حبيقة
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى