أيام سوداء: اختفاء المازوت يقتل الزراعة .. فهل المزروعات تتجه للاختفاء من الأسواق؟

فجرت شركة كهرباء زحلة بلبلة عارمة بين 300 ألف مشترك في المدينة وقضائها، بعد إعلانها مساء الإثنين 9 آب الجاري عن توجهها إلى توقيف مولداتها كلياً خلال 48 ساعة، إذا لم تتوفر لها بالطرق الرسمية كميات المازوت الكافية.
قلق زراعي
ولأزمة المازوت المستفحلة في البقاع تداعيات خطيرة على لقمة عيش اللبنانيين عموما. فهي تهدد بالتلف آلاف الهكتارات من الأشجار المثمرة والخضر والحشائش، بعدما بلغ شح المازوت مستويات خطرة في الأيام الأخيرة، وباتت صفيحة المازوت تباع في السوق السوداء بـ250 ألف ليرة، إذا وجدت.
ويشوب القلق وجوه المزارعين من أقصى شمال البقاع إلى جنوبه. فمواسم السهل باتت جاهزة للانتقال إلى السوق، لكن هذا الانتقال لن يكون متاحاً من دون توفر المازوت. بدءًا من عملية نقل العمال الزراعيين إلى الأرض للعمل على جني المواسم، حتى وصول الإنتاج إلى محلات بيعه بالمفرق.
هي إذاً أيام سوداء يعيشها القطاع الزراعي عموماً، تضاف إلى ما يواجهه المزارعون من عقبات، جعلت الموسم من أصعب المواسم إنتاجاً وتصريفاً. بدءًا من صعوبات توفير كلفة الأدوية والمبيدات، إلى إغلاق الأسواق الخارجية في وجه المنتوجات الزراعية اللبنانية، وفرض أعباء إضافية نتيجة شحنها بحراً إلى الدول العربية، بسبب استمرار السلطات السعودية بمنع المنتجات اللبنانية من عبور حدودها.
دم القطاع الزراعي
ولكن أزمة المازوت هي الأكثر خطورة على المواسم. وتتجلى خطورتها خصوصاً في المناطق التي تحتاج فيها الأراضي للري المتواصل.
وأولى الصرخات انطلقت بالأمس من بلديتي القاع وراس بعلبك، اللتين أصدرتا بياناً مشتركاً طالب بتوفير المازوت فوراً للمزارعين، قبل أن يقضي اختفاءه بسعره الرسمي على “عصب الحياة الأساسية” في هذه المنطقة التي يعتاش أهلها، إضافة الى آلاف العمال السوريين المقيمين في لبنان بصفة لاجئ، من الزراعة تحديداً.
وحسب رئيس تجمع مزارعي البقاع وفلاحيه، إبرهيم ترشيشي، مادة المازوت هي “الدم الذي يسري في عروق المزارعين. ومن دونها لا حياة للقطاع الزراعي”. فالمادة تدخل في مجمل الدورة الزراعية، بدءًا من نقل العمال إلى السهل، إلى تشغيل الآلات الزراعية في الحراثة والفلاحة والقلع، إلى ري الأراضي الذي تتضاعف أعباؤه في ظل تقنين الكهرباء. وتزايد أعباء تشغيل المولدات الخاصة. وهناك زراعات كثيرة، ومن بينها الخضر على أنواعها والأشجار المثمرة، معرضة للتلف إذا لم تُرو دورياً. ومن ثم نقل الإنتاج من السهل إلى أسواق الجملة بشاحنات تسير على المازوت، ومن هناك إلى أسواق المفرق.
مزروعات مهددة بالاختفاء
وكانت كلفة الري سابقاً خمسة في المئة من مجمل كلفة الإنتاج اللبناني، حسب ترشيشي. لكنها بلغت حاليا 35 بالمئة من كلفة الإنتاج التي ارتفعت تلقائياً بسبب ارتفاع أجرة اليد العاملة، وثمن الأسمدة والأدوية الزراعية التي باتت كلها تشترى بالدولار. إضافة إلى الآلات التي تحتاج للصيانة.
وهذا ما يحمل ترشيشي على التبشير منذ الآن بأن كلفة كيلو البطاط اللقيس سيرتفع بموسمه بنسبة 35 في المئة أيضاً، ليصل سعر الطن إلى 300 دولار بدلا من 225، وبالتالي يشتريه المستهلك بكلفة لا تقل عن 6500 ليرة للكيلو.
وإذا كانت البطاطا المفترض أنها لقمة الفقير تتجه إلى ارتفاع أسعارها بهذا المقدار، فإن مزروعات أخرى تتجه للاختفاء من الأسواق، ومنها الخضر والحشائش التي تعرف بالزراعات السهلة، ولكنها تحتاج إلى ري يومي.
وما يزيد من الحالة القاتمة التي يعيشها المزارعون، أن تجار المازوت وباعته في السوق الرسمي أو البديل يرفضون تسليمه ما لم يتقاضوا ثمنه نقداً، بينما المزارع ينتظر تصريف إنتاجه ليؤمن السيولة، وخصوصاً بعدما اختفت القروض المصرفية، التي كانت توازن بين نفقات المزارع ومستلزمات عيشه.
الأزمة متشابهة في مجمل قرى البقاع. وهي تستفحل ببلدات راس بعلبك والهرمل والقاع تحديداً، حيث تدخل مادة المازوت في كامل الدورة الاقتصادية. ويعتاش قسم من هذه البلدات من الزراعة، وقسم آخر يعتاش من مناشر الحجر ومقالع الصخر، ومزارع الدجاج والأبقار، وغيرها من الصناعات الزراعية. وكلها تحتاج إلى مادة المازوت لتشغيلها.
عطش في القاع
لكن مشكلة القاع تبدو مضاعفة، خصوصًا أن لا مصادر للمياه الطبيعية في هذه البلدة. والمياه التي تصلها من اللبوة، لا تروي سوى جزء بسيط من أراضيها، بسبب التعديات على قنواتها و”شفط” مياه النهر قبل وصولها إلى آخر بلدة لبنانية. ويوضح رئيس بلدية القاع بشير مطر قائلاً: “لو أنجزت الدولة مشروع العاصي -وقد “طيرته” الصفقات المعقودة على حساب المصلحة العامة- لوفرنا ملايين الليترات من المازوت التي تهرب بحجة الوصول الى المنطقة”.
ويشكّل سهل القاع واحداً من أكبر مصادر الخضر والفاكهة على أنواعها في السوق اللبنانية. ووفقاً لمطر تحتاج الأراضي الزراعية في البلدة الى أربع ملايين ليتر مازوت شهرياً، لتشغيل مضخات الري. هذا إضافة إلى إمكان توفير المياه عبر الآبار الارتوازية التي تشغل بالطاقة الشمسية.
فالأرض في شهر آب وحتى منتصف شهر أيلول تظل عطشى جداً. والمزارع الذي يرعى الشجر المثمر والبطيخ والعنب والتفاح والدراق إلى الخضر على أنواعها، يحتاج إلى الري في هذين الشهرين للحفاظ على إنتاجه. لكن مادة المازوت التي تشغل المضخات غير متوفرة، ولا يصل إلى منطقة القاع ورأس بعلبك منها سوى كمية 100 ألف ليتر شهرياً، تستخدم في الري وتأمين الطاقة.
ويخشى رئيس بلدية القاع من أن يقضي شح المياه على ما تبقى من أمل باسترداد رساميل الإنتاج الزراعي لهذا العام، بعدما عانت القاع تداعيات أزمة إقفال سوق السعودية بوجه الانتاج اللبناني، فتلفت مواسم أراض شاسعة في البلدة.
ويسأل ترشيشي: لماذا تتوفر مادة المازوت في السوق السوداء ولا تستطيع المنشآت وشركات الفيول تأمينها للمزارع بالسعر الرسمي؟! ويعتبر أن رفع الدعم يبقى أقل كلفة على المزارع، خصوصاً أن سعر صفيحة المازوت يصل حالياً إلى 300 ألف ليرة في السوق السوداء، بينما سعرها العالمي يقدر بسبع دولارات ونصف الدولار.
بطالة اللاجئين
ويتحدث مطر عن إمكان إشراك البلديات في عملية مراقبة وصول المازوت إلى المزارعين، لضمان عدم تهريبه إلى الخارج. ولفت إلى أن لدى بلدية القاع إحصاءً واضحاً بالكميات التي تحتاجها. وما تطالب به هو أن توفر لكل مزارع أقله ثلثي كمية المازوت التي تحتاجها أرضه، على أن تباع بواسطة “بونات” تؤمن استفادة المزارع مباشرة من الكميات المتوفرة، بدلاً من أن تذهب إلى التجار ومنهم إلى السوق السوداء والمهربين.
ويحث مطر الجهات المانحة الدولية على التدخل في هذا الإطار، خصوصاً أن تداعيات الأزمة تنعكس أيضا على النازحين السوريين، الذين يعمل قسم كبير منهم كعمال مياومين. وهم بالتالي مهددون كسائر اللبنانيين بلقمة عيشهم، إذا لم يتمكن المزارع من تأمين كميات المازوت للأراضي التي توفر لهم فرص العمل.



