“عصر جديد للبنان” وعد به ماكرون.. بعد انفجار 4 آب لن يبقى كما قبله

كتبت دوللي بشعلاني في جريدة ” الديار ” «حان الوقت لميثاق (أو عقد) جديد في لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت».. هذه هي الرسالة التي أراد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إيصالها خلال زيارته الرسمية التي استدعتها «الظروف الطارئة» أمس، على ما قال، ليس فقط الى الداخل اللبناني، بل أيضاً الى دول الخارج والمجتمع الدولي. ففرنسا التي عُرفت دائماً بأنّها «الأم الحنون» للبنان، أكّدت زيارة الرئيس ماكرون له بعد أقلّ من 48 ساعة على وقوع الإنفجار في عنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، على ما أكّدت أوساط ديبلوماسية مواكبة، أنّها باقية وستبقى «لأنّ هذا لبنان، وهذه هي فرنسا»، ولأنّكم أنتم، ولأنّنا نحن، ولن نتخلّى عنكم»، على حدّ تعبير الرئيس الفرنسي.
فالزيارة الرسمية والشعبية التاريخية للرئيس ماكرون الى لبنان التي جرى الإعلان عن موعدها ثمّ تمّ تأجيلها مرّات عدّة خلال السنوات الأخيرة الماضية، فرضتها «الظروف الطارئة»، على ما أضافت الاوساط، فالرئيس ماكرون بعد رؤيته نتائج الإنفجار الهائل الذي حصد حتى الآن 173 قتيلاً وأكثر من 5 آلاف جريح وعدداً كبيراً من المفقودين، و300 ألف شخص بلا مأوى، لم يتمكّن من البقاء في بلاده، ولهذا أتى للوقوف الى جانب الشعب اللبناني. وقد عبّر عن تضامنه هذا خلال الجولة التفقدية التي قام بها لمنطقة الجميّزة، إذ التقى عدداً من اللبنانيين وتحدّث معهم مطمئناً ومتعاطفاً مع معاناتهم، وقد وعدهم بتأمين المساعدات غير المشروطة، العينية وليس المالية، من الطبية والإستشفائية الى الغذائية والتي كانت قد سبقته الى لبنان عبر ثلاث طائرات، مؤكّداً لهم أنّها لن تذهب الى الفاسدين بل ستصلهم بشكل مباشر وعن طريق المنظمات غير الحكومية، وليس عن طريق الدولة.
وأكّدت الأوساط نفسها بأنّ الرئيس ماكرون الذي تفقّد موقع الإنفجار فور وصوله الى بيروت، مصرّ على معرفة أسباب الكارثة التي حصلت، أكانت بفعل الإهمال والإستهتار والفساد، أو أنّها مفتعلة، ولهذا أرسل فريقاً عسكرياً خبيراً للمساعدة في إجراء تحقيقات مستقلّة وشفّافة لكشف حقيقة ما حصل، سيما وأنّه شعر بالألم والغضب إزاء هذه المأساة التي أصابت عدداً ضخماً من اللبنانيين. وأبدى اهتمامه بضرورة تحديد المسؤوليات ومعاقبة كلّ من له علاقة بالتسبّب بهذه الكارثة. وكشفت بأنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قد طلب من نظيره الفرنسي تزويده بصور جويّة للحظة وصول الإنفجار، خصوصاً وأنّ الحكومة اللبنانية قد بدأت بالتحقيقات يوم أمس وستُنهيها في خمسة أيّام تنتهي يوم الإثنين المقبل، ووعده الرئيس ماكرون بتأمينها له في أسرع وقت ممكن.
وعمّا قصده الرئيس ماكرون ببداية «عصر جديد» في لبنان بعد الإنفجار الكارثي، أشارت الاوساط الى أنّ «ما بعد إنفجار 4 آب لن تقبل فرنسا بأن يكون كما قبله»، وأنّ أموراً عدّة لا بدّ وأن تتغيّر، من وجهة نظر الرئيس الفرنسي، إذ لا يُمكن للبنان أن يستمرّ على هذا النحو متخبّطاً بأزمات سياسية وإقتصادية ومالية وإجتماعية ومعيشية يتسبّب بها الفساد وعدم النيّة الجديّة بالإصلاح. ولهذا طرح مبادرته السياسية، على أمل أن تقوم الدولة اللبنانية بإنجازها في أسرع وقت ممكن، لأنّ الشعب اللبناني لم يعد يحتمل، وقد أوصل صوته الى الرئيس ماكرون مباشرة في منطقة الجمّيزة. ولهذا وعد اللبنانيين بالعودة في الأول من أيلول المقبل لمتابعة أوضاعهم ولاستكمال عناوين مبادرته السياسية، سيما وأنّ زيارته تصبّ في إطار دعم الشعب اللبناني وليس الدولة اللبنانية، على ما قال للذين التقاهم. وتتضمّن هذه المبادرة السياسية، على ما ذكر ماكرون، إصلاحات جذرية وتغيير النظام ووقف الإنقسام ووحدة اللبنانيين والجلوس الى طاولة الحوار للبحث في كيفية الخروج من الأزمات.
وعمّا إذا كان ماكرون سيقوم بنفسه بالتغيير، أكّدت الأوساط نفسها أنّه يجب أن يبدأ أوّلاً من اللبنانيين، لكي تستطيع فرنسا أن تدعم تحقيقه، أي وفق معادلة «ساعدونا لنُساعدكم»، إذ لا يُمكن للرئيس الفرنسي أن يفرض الإصلاحات أو أن يقوم بها بدلاً عن المسؤولين والشعب. غير أنّ بإمكانه الضغط على الإتحاد الأوروبي كما على المجتمع الدولي لحثّه على ضرورة دعم لبنان ومساعدته في هذه الظروف الحرجة، كما سبق وأن فعل في مؤتمر «سيدر» عندما جمع 40 دولة و10 منظّمات دولية لدعمه إقتصاديّاً. وينطلق الرئيس الفرنسي بدعمه للبنان من أنّ «لبنان بإمكانه أن يُصبح قضية رابحة إذا لم يُترك وحيداً، أمّا العكس فمن شأنه تكريسه ساحة للآخرين مجدّداً، ولهذا فهو سيمنع حصول ذلك بفضل علاقاته الإقليمية والدولية».
وبرأي الاوساط، إنّ زيارة ماكرون الخاطفة الى لبنان وتضامنه مع الشعب اللبناني سيُشجّع دولاً أخرى على المضي قُدماً في تقديم الدعم له، رغم أزمة «كورونا» التي تضرب دول العالم أجمع وتُضعف من إمكاناتها المادية. علماً بأنّ دولاً أوروبية وغربية وعربية عدّة قد بدأت بتقديم المساعدات الإنسانية والطبيّة للبنان الى جانب فرنسا مثل اليونان وبريطانيا وبولونيا وتركيا وقطر والكويت وتونس وسواها.



