أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

ماذا يعني إطلاق “حزب الله” شعار “الحساب المفتوح”؟ (النهار ٢٤ أيلول)

خلال مراسم تشييع قائد “قوة الرضوان” إبرهيم عقيل في الضاحية الجنوبية أول من أمس، اعتلى المنبر نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ليبلغ إلى قاعدة الحزب المتعطشة للانتقام أن شعار المرحلة المقبلة هو “معركة الحساب المفتوح”.

مضمون الشعار ليس جديدا على أدبيات الحزب، إذ سبق للأمين العام السيد حسن نصرالله أن أطلقه بصيغة مختلفة بعد أقل من شهر على انخراط الحزب في معركة “إسناد غزة”، عندما قال “إن الكلمة من الآن فصاعدا للميدان”.
مثل هذا الشعار يستبطن استنتاجات أساسية في مقدمها أن أبواب كل الاحتمالات مفتوحة، وفرص الكلام السياسي فيها توشك أن تكون معدومة. وإن الحزب وطن نفسه منذ البداية على احتمال أساسي هو أنه سينتقل عاجلا أم آجلا إلى موقع صدارة المشهد الصراعي ورأس الحربة في مقارعة الإسرائيلي.

ولم يكن خافيا أن في دوائر الحزب الداخلية المعنية قراءة فحواها أنه لم يعد في إمكان نتنياهو إلا أن يرد على الصفعة الكبرى التي تلقاها صبيحة 7 تشرين الأول في عملية “طوفان الأقصى” بعملية نوعية لن تنتهي إلا بإعادة اجتياح غزة بعد مرور أقل من 20 عاما على إخلائها، ليتفرغ بعد ذلك لمواجهة الحزب المساند لأنه يعلم علم اليقين، أن استعادة الهيبة ليست واردة من دون منازلة مع الحزب على رجاء الحسم إن أمكن، أو استدراجه إلى معركة استزاف وإنهاك طويلة للنيل من صورة الردع وقوة المهابة التي راكمها منذ مطالع التسعينيات.

هذا التصور أكده صراحة أحد نواب الحزب عن البقاع الدكتور إبرهيم الموسوي، بعد مضي أقل من أسبوعين على انطلاق المواجهات الحدودية، ليرد على مقال في “النهار” في معرض إثباته أن هذا المقال ينطوي على استنتاجات متسرعة “لأن المعركة في حينه كانت في بداياتها وتصور الحزب الأولي عنها أنها طويلة ولئيمة”.

وهكذا بعد مضي عام إلا بضعة أيام، ثبت أن تشخيص الحزب لمسار الصراع البادىء يومها لتوه لم يكن ارتجاليا ، فهو أطلق على لسان الشخص الثاني فيه الشعار المتضمن عصارة رؤيته للمرحلة المقبلة، في إعلان مفاده :
– ان الحساب مع إسرائيل مفتوح وعسير، والرهان الأساسي فيه هو على مجريات الميدان حيث الحزب ماض في الخيار الذي انتقاه وقرر التزامه حتى وإن اقتضى الأمر بلوغ مرحلة المنازلة الميدانية الحاسمة، فيما الإسرائيلي يرد بلسان الناطق باسم جيشه “بأننا ولجنا مرحلة العمل على تدمير قدرات الحزب وتحقيق كل أهداف الحرب”.

– أكثر من ذلك، يفصح هذا الناطق بأن الجيش الإسرائيلي دخل مرحلة التدمير الممنهج للجنوب تكرارا لما فعله في غزة وقطاعها، وقد تجلى ذلك بزعم “أن حزب الله يخفي صواريخ كروز الاستراتيجية و البعيدة المدى داخل منازل المدنيين ونطالب هؤلاء ( المدنيين ) بالابتعاد عن مناطق الحزب”.
وهو نموذج كان قد طبقه في كل مناطق غزة .

– لم يكن إطلاق الحزب لشعاره المرحلي الجديد “الحساب المفتوح”، وفي المقابل إفراج الإسرائيلي عن عصارة توجهه المستقبلي بإعلاء حديثه عن تصفية الحساب النهائي مع الحزب إلا بعد ليلتين ناريتين وجه فيهما الحزب نيران صواريخه نحو أهداف أوسع مدى في الشمال الإسرائيلي حتى حدود حيفا، فجعل العدو يلجأ إلى رد بعنصر التفوق لديه وهو سلاح الجو الذي لم يترك دسكرة في الجنوب والبقاع إلا أنزل عليها حمم قذائفه .

هذا الاداء من كلا طرفي الصراع، سمح للخبير الإستراتيجي في صراعات المنطقة والباحث والأكاديمي طلال عتريسي بتبني استنتاج مؤداه أن “مرحلة عض الأصابع بين الطرفين قد بدأت لتوها ويصعب استشراف نهاياتها”.

ويقول في قراءة لـ”النهار”: “لقد صار لزاما على كل من المقاومة والإسرائيلي اللجوء إلى التصعيد، واجتراح أساليب تصعيدية غير مسبوقة إلى أن يأتي حين من الدهر ويقرر الأميركي التدخل الجاد والحاسم، أو أن يحسم أحد طرفي الصراع الموقف الميداني لمصلحته”.

ويستطرد: “بما أن الأميركي ليس مهيأ بعد لممارسة الضغط الجاد على الإسرائيلي بغية العودة إلى مربع التفاوض المفضي إلى تسويات ووقف للنار، فهو سيكتفي بتكرار الدعوات لضبط النفس وخفض منسوب التوتر درءا للانزلاق إلى حرب مفتوحة. وبما أن إمكان الحسم العسكري لدى أي من الطرفين يبدو صعبا جدا، فالاستنتاج أن المعركة الحالية ستكون بلا سقف زمني وسيكون الأساس فيها التصعيد والزج بكل الأسلحة المؤذية والأساليب المؤدية إلى إلحاق أكبر أذى بالعدو، وإطالة المعركة بهدف استزاف قوى الخصم”.

وردا على سؤال، يؤكد عتريسي أن الإسرائيلي “يعمل جاهدا لتكرار نموذج ما فعله في غزة، فهو كما صار معلوما ترك الوضع هناك غير محسوم، بل إنه مفتوح على كل الاحتمالات بما فيها الاستنزاف الدائم، ولا يمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد كل ما فعله بغزة وأهلها من أعمال إبادة وتدمير أن يرفع شارة النصر ويزعم أنه حسم الموقف الميداني، إذ ليس خافيا أن مقاتلي حركة “حماس” يظهرون دوما في كل غزة ويهاجمون دوريات الاحتلال وينزلون الخسائر فيها، وهو (الإسرائيلي) أيضا يأبى التفاوض ويرفض كل الصيغ والعروض المقدمة لذلك بما فيها العرض الأميركي نفسه. وبمعنى آخر، ترك الوضع في غزة معلقا ليزعم أنه قد سخر كل إمكاناته القتالية لـ”جبهة الشمال”، أي في مواجهة “حزب الله”، على أمل أن يحسم الوضع هناك ويجبر الحزب على قبول وقف النار وإنهاء جبهة إسناده ليتاح له إعادة سكان من مستوطنات الجليل الأعلى الذين فروا بالآلاف منذ بداية الأحداث هربا من نيران الحزب .

ويمضي عتريسي في قراءته قائلا: “بما أن القرار الأميركي والغربي يمنع أي حرب مفتوحة على الحدود، فالاستنتاج الواضح أننا في طريقنا إلى مراوحة طويلة ومؤذية، على أمل أن يطلق أحد طرفي النزاع الصرخة أولا، وهو أمر لا يبدو واردا عند الإسرائيلي ولا عند الحزب، لذا علينا توقع المزيد من جولات العنف والضربات المتبادلة “.

بواسطة
ابراهيم بيرم
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى