هل يستثمر لبنان الغطاء العربي والانفتاح مع سوريا لوضع ملف النازحين على الطاولة؟ (الديار ١١ أيار)
قانون «قيصر» يُعيق مسار الحلّ... والأمم المتحدة تطالب بإصلاحات في لبنان وسوريا

هل وضع ملف النازحين السوريين في لبنان على طاولة البحث الجدي، لوضع خارطة طريق حل هذه القضية الاساسية؟ ثمة مؤشرات ومعطيات تدل على ان مرحلة جديدة بدأت تتشكل معالمها في التعاطي مع ملف النازحين السوريين في دول الجوار ومنها لبنان.
وفي ظل هذا المناخ يحاول لبنان اليوم فتح الملف المذكور بشكل عملي، نظرا الى التداعيات الكبيرة والخطرة الناجمة عنه على غير صعيد.
وبعد اكثر من عقد على نشوء هذه الازمة، وما نجم وينجم عنها من نتائج سلبية وخطرة ، بدأت تتكون اليوم ملامح مواقف جدية للتعاطي معها، ليس على مستوى دول الجوار المضيفة فحسب، بل ايضا على صعيد تبلور موقف عربي واسع للدفع باتجاه معالجة هذه القضية، التي تعتبر من ابرز عناصر تعافي الوضع في سوريا والجوار.
ويندرج في هذا الاطار، موقف اجتماع مجلس الجامعة العربية الاخير والاجتماع الخماسي الذي سبقه في الاردن، حيث وضع بند التأكيد على عودة النازحين السوريين الى بلدهم، كبند اساسي في قرارات الاجتماعين، الى جانب التشديد على الحل السياسي ووحدة وسيادة سوريا.
وفي الاجتماع الرباعي الذي عقد امس في موسكو، وضم الى جانب وزير الخارجية الروسي لافروف وزراء خارجية سوريا وتركيا وايران ، ظهر جليا الاهتمام بقضية النازحين السوريين. وقال لافروف « ان تسهيل العودة الآمنة والطوعية للاجئين الى سوريا مبدأ اساسي لروسيا وسوريا وتركيا وايران».
ووفقا لمصادر ديبلوماسية عربية، فان هذه القضية ستكون من بين البنود التي سيتطرق اليها بيان القمة العربية في ١٩ الجاري في السعودية في اطار الفصل المتعلق بسوريا . وتضيف المصادر ان هذه القمة المرتقبة، التي سيحضرها الرئيس بشار الاسد لاول مرة منذ اكثر من عقد ، ستفتح الباب امام وضع هذا الملف على جدول الاهتمامات العربية في المرحلة المقبلة.
وبموزاة هذا التطور يشهد لبنان تحركا ناشطا للدفع باتجاه معالجة جدية لملف النازحين السوريين، لا سيما بعد المواقف والتطورات التي حصلت مؤخرا، والتي كادت ان تؤدي الى تداعيات على الارض. ومن الواضح بعد الاجتماع الوزاري الموسع الذي ترأسه الرئيس ميقاتي مؤخرا ان مجلس الوزراء سيعقد جلسة يرجح ان تكون بعد القمة العربية لمناقشة هذا الملف من كل جوانبه، على ضوء المستجدات الاخيرة المتصلة به.
والى جانب ذلك تنشط اللجان النيابية المعنية، لا سيما لجنتي الشؤون الخارجية والعدل في متابعة ومناقشة هذا الموضوع، للمساهمة والمساعدة في تكوين ملف لبناني متكامل حول معالجة قضية النازحين السوريين وآلية التعاطي معها ، انطلاقا من نقطة محددة على طريق العمل لاعادة النازحين، وفق الشروط الملائمة والآمنة.
ووفقا للمعلومات المتوافرة، فان الجانب اللبناني يأخذ بعين الاعتبار الجهد الذي بدأه، والافادة والتعامل مع عناصر عديدة برزت مؤخرا منها:
١- الموقف العربي الرسمي الذي صدر عن اجتماع مجلس الجامعة العربية الاخير، وتأكيده على اهمية هذه القضية وعودة النازحين السوريين الآمنة الى بلدهم . وهذا الموقف يشكل غطاء عربيا معنويا وماديا، لتأمين وتوفير مناخ معالجة هذه القضية.
٢- التحضير للبدء بمرحلة جديدة من التواصل والتعاون بين الحكومتين اللبنانية والسورية لمناقشة تفاصيل هذا الملف.
٣- فتح بحث جدي وفعال مع الامم المتحدة للمساعدة في توفير الاجواء والشروط لمعالجة قضية النازحين على اساس عودتهم الى بلدهم.
وحسب المعلومات، فان التطورات والمواقف الاخيرة في لبنان بشأن هذا الملف فرضت نفسها، ودفعت الجهات المعنية في الامم المتحدة الى ان تأخذ ما يجري بعين الاعتبار، وان تفتح نقاشا اكثر جدية مع السلطات اللبنانية الرسمية، على مستوى الحكومة والمجلس النيابي حول هذه القضية وتداعياتها . غير ان هذا الاهتمام ما زال في مرحلة الاستطلاع وتبادل الآراء، خصوصا ان الهيئات الدولية المعنية ما زالت مكبلة ومتأثرة بالضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الاميركية وبعض الدول الاوروبية لتأخير الحل، وربما لاجهاضه.
ووفقا لمصدر لبناني مطلع، فان اهتمام الجهات المعنية في الامم المتحدة بمناقشة هذا الموضوع، لا يعني انها عدّلت موقفها وسياستها تجاه قضية النازحين السوريين. ففيما ترفع علنا شعار العودة الآمنة والطوعية للنازحين، ما زالت تتعامل مع هذا الملف وفق السياسة التي اعتمدتها منذ البداية، وهي الاكتفاء بتقديم المساعدات المالية للنازحين، مع تقديم مساعدات مالية اخرى للدولة اللبنانية، في اطار توفير جزء من الاعباء الكبيرة التي يتحملها لبنان بسبب هذه القضية. وهذا ما جعل احد المسؤولين اللبنانيين يخاطب مسؤولا امميا قائلا:» نحن لسنا متسولين ولا نريد مثل هذه المساعدات، نريد المساعدة الفعلية لمعالجة هذا الملف وتأمين عودة النازحين الى بلادهم».
ولم تعط اوساط الامم المتحدة في لبنان ارقاما كاملة ومفصلة للمساعدات المالية التي قدمت حتى الآن للنازحين، لكن منسق الشؤون الانسانية عمران ريزا تحدث امس امام لجنة الخارجية النيابية عن تقديم مليار ومئتي مليون دولار في مراحل متتالية منذ العام ٢٠١١، ومنها مبالغ مخصصة للبنان في اطار تحمل اعباء هذه القضية.
وتركز اوساط الامم المتحدة على شروط عديدة وكثيرة لحل هذه القضية، منها تطبيق اصلاحات في سوريا ولبنان في اطار توفير المناخ للبدء بالمعالجة خطوة مقابل خطوة على حد تعبيرها.
وتتذرع ايضا بعدم جهوز ملف متكامل من قبل السلطات الرسمية اللبنانية، مع العلم ان حكومة تصريف الاعمال طرحت ملفات ومقترحات عديدة في هذا الصدد. كما ان المجلس النيابي يساهم ايضا من خلال لجنة الشؤون الخارجية في انجاز ملف حول هذه القضية خلال الاسبوعين او الثلاثة المقبلة.
وتركز الجهات اللبنانية الرسمية في تعاطيها مع هذا الملف وآلية معالجته، على تطبيق القوانين اللبنانية المعنية الاجراء بحق النازحين والمتواجدين السوريين في لبنان. وكذلك العمل على التعاون مع سوريا في ضبط الحدود، والبحث في تفاصيل خطة متكاملة لتأمين عودة النازحين الى بلدهم. وتشدد ايضا كما يعبر المصدر، على ان تعاطيها مع هذا الملف ينطلق من منطلق انساني وحق العودة، وليس من منطلقات عنصرية او خلفيات سياسية احادية او ضيقة.
ووفقا لم رشح ويرشح من اجواء الابحاث الاخيرة في هذا الموضوع، فان العائق الاساسي والكبير الذي يحول دون المباشرة بمعالجة هذه القضية، يتمثل بقانون «قيصر» الاميركي المفروض على سوريا، والذي يشكل حصارا وعاملا ضاغطا عليها، ويجعل واشنطن تتحكم بصورة او باخرى في مسار التعاطي ومعالجة هذا الملف.
كذلك يبرز الدور الاوروبي الذي يصفه المصدر بانه يساهم في اعاقة حل هذه القضية ، مشيرا الى انه في الآونة الاخيرة لمس المسؤولون اللبنانيون من السفراء المعنيين، مرونة ملحوظة في الموقفين الفرنسي والايطالي في تفهم الموقف اللبناني من هذا الملف، بعكس الموقف الالماني الذي يتسم بالتشدد والتصلب غير المبرر.



