أخبار لبنانابرز الاخبارتقارير وإحصاءات

كتاب نهوض لبنان (4): مساندة القطاعات الانتاجية .. من المؤسسات إلى البرامج

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.

إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،

في حلقة اليوم (4) ننشر الفصل السادس تحت عنوان “مساندة القطاعات الانتاجية .. من المؤسسات إلى البرامج”

تستحوذ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الكثير من الاهتمام في كافة الدول نظرًا لدورها الأساسي في الاقتصادات الوطنية، إن لجهة خلق فرص العمل الجديدة أو في إطار تطوير المناطق النائية والبعيدة عن مراكز الأعمال الأساسيـة.

لم يتخلّف لبنان في السنوات الماضية عن مواكبة المؤسسات والاستثمارات الجديدة ومساندتها في الكثير من المجالات وخاصة المالية منها، عن طريق تطوير بعض البرامج أو المؤسسات لدعم الاستثمارات الداخلية أو تطوير القدرات التقنية والإدارية والتجارية للمؤسسات.  وفي الكثير من الأحيان، ساهمت المؤسسات الدولية والإقليمية في البرامج المقترحة عن طريق التمويل أو المساندة التقنيـة.

  • تطور سياسات المساندة للاستثمارات في لبنان:

منذ استقلاله عام 1943، اعتمد لبنان النظام الاقتصادي الحرّ المبني على هيكلية السوق وبدون أي تدخل مباشر من القطاع العام باستثناء احتكار رخص بعض الخدمات التي اعتبرت أساسية، مثل الكهرباء والمياه والهاتف والإعلام المسموع والمرئي واستثمار المرافئ والمطارات والسكك الحديدية.  واستثمرت الدولة اللبنانية أيضاً، إلى جانب القطاع الخاص، في قطاع النقل العام الداخلي عبر مؤسسة السكك الحديدية والنقل المشترك وفي قطاعي الصحة والتعليم عبر المستشفيات والمستوصفات الحكومية والمدارس الرسمية والجامعة اللبنانية، واضطرت في بعض الأحيان الدخول في بعض المؤسسات المتعثـِّرة مثل المصارف وخاصة بنك إنترا والمؤسسات التابعة له، وشركة طيران الشرق الأوسط ومصفاتي تكرير النفظ بعد أن انتقلت ملكية مصفاة طرابلس الى الدولة اللبنانية نتيجة تأميم قطاع النفط في العراق، وكذلك انتقلت ملكية مصفاة الزهراني الى القطاع العام بعد إقفال خط النقل الذي كان ينقل النفط الخام السعودي اليها.

إضافةَ إلى هذه الاستثمارات المباشرة، قامت الدولة اللبنانية ببعض الخطوات لدعم ومساندة عدد من القطاعات أو المؤسسات الانتاجية الداخلية لتحفيز الاستثمارات في عدد من القطاعات التي اعتــُبرت أساسية للنمو، مثل الزراعة والصناعة والسياحة أو الأعمال الحرفية.  كذلك قامت الدولة اللبنانية عبر مؤسسات حكومية بتمويل الترويج للقطاع السياحي وللأعمال والانتاج الثقافـي.

تمحورت المساندات الحكومية للقطاع الخاص حول عدة مبادرات منهـا: (1) قرارات إدارية تحمي الانتاج الوطني من الاستيراد الخارجي إن عن طريق رفع نسب الضرائب الجمركية أو الحد الكمي للاستيراد بشكل كلي أو جزئـي (2) إنشاء مؤسسات مالية متخصصة لمساندة الإستثمار في القطاعات الأساسية عن طريق تأمين التمويل أو المساعدة في تصريف الانتاج (3) خلق برامج متخصصة يديرها القطاع الخاص وتتكفل بتحمّـل أعباءهـا الخزينة اللبنانية.

 

ما هي أهم الخطوات المتخذة في هذا المجال منذ سنوات الاستقلال الأولى حتى يومنا هــــذا ؟

  • الحمايات الجمركية والاستيرادية :

تقوم المساندات الحكومية في هذا الإطار حول قرارات تقليدية تلجأ إليها معظم الدول لحماية الانتاج الوطني من المنافسات الخارجية، خاصة في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية، ومن تلك القرارات:

-أ-  رفع نسب الضرائب الجمركية على أنواع السلع المنوي حمايتها، مثل ما هو حاصل حالياً للخضار والفاكهة والنبيذ والدواجن والأجبان وبعض المعـادن وصناعة المفروشات.

-ب-  الحد الكلي أو الجزئي من الاستيراد لسلع ينتجها لبنان، مثل الزيتون والحمضيات والإسمنت، وذلك عبر فرض تراخيص استيراد من قبل وزارتي الصناعة والزراعة أو اعتماد روزنامات تمنع استيراد بعض السلع الزراعية في أوقات معينة من السنة يعتبر فيها الانتاج الداخلي كافيا لتأمين حاجات السوق اللبناني.  وبرغم انضمامه إلى بعض اتفاقيات التحرير التجارية، أبقى لبنان على عددٍ من هذه القرارات كان من المفترض أن تـُــلغى بعد إقرار قانون جمركي جديد في العام 2000 والمبني على إزالة كافة الضرائب الجمركية والاستعاضة عنها بالضريبة على القيمة المضافة إلى جانب رسم استيراد موحد على كافة الواردات نسبته 5%.  لكن الاعتراضات القطاعية على هذا القانون فرضت على الدولة اللبنانية إعادة بعض هذه الحمايات الجمركية وإلغاء نسبة الـ 5% لبعضها الآخر والتي تعتبر مدخلات للصناعات الوطنيـة.

(2)  المؤسسات الحكومية المساندة للقطاعات الانتاجيـة :

تعددت هذه  المؤسسات وخاصة في الفترة الممتدة ما بين 1960 و 1975 وتنوعت خدماتها من التموييل إلى تأمين التصريف مرورًا بمساندة الأسعار لبعض المدخلات أو تأمين بعض الرديات لتخفيف الكلفة عن المنتجين.  ومن أهم هذه المؤسسات:

-أ- مؤسسة الريجي للتبغ والتنبـاك :

وهي المسؤولة عن دعم زراعة التبغ عبر شراء الانتاج الوطني على أساس سعر الكلفة المقدرة التي يتحملها المزارع، على أن تقوم المؤسسة بتصنيعه أو بيعه إلى الخارج.  شهدت هذه المؤسسة تطورات متعددة ولعبت دورًا إيجابيًا في فترة ما قبل اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975 خاصة في نجاحها بتصنيع القسم الأكبر من الانتاج الوطني في مصانعها الداخلية.  لكن التدهور الأمني وتراجع القدرات الادارية للمؤسسة أدت إلى توقف التصنيع وارتفاع العجز التشغيلي مع الإبقاء على كامل موظفي المؤسسة وتوسيع تراخيص زراعة التبغ وتدني جودة الانتاج والتراجع الكبير في أسعار تصريفه في الأسواق الخارجية. لقد تم ضبط بعض هذه الأكلاف في السنوات الأخيرة، لكن العجز المالي السنوي بقي مرتفعًا دون تأمين أي نتائج اقتصادية لهذه الزراعة أو تحسين الانتاجية. ومما زاد من الأعباء تداخل العوامل السياسية والاجتماعية واعتبار الدعم المتوفر للتبغ من المقومات الضرورية لتأمين صمود أهل الجنوب حيث يقوم القسم الأكبر من زراعة التبـغ.

 

-ب- مكتب الحبوب والشمندر السكري :

وهي المؤسسة المولجة بدعم زراعة القمح والشمندر السكري عن طريق شراء الإنتاج وتأمين تصريفه في الأسواق الداخلية ويقوم دعم هاتين الزراعتين بشراء المحصول الوطني بأسعار مبنية على كلفة الانتاج التي تكون عادة أعلى من أسعار الأسواق العالمية. وقد وضع مكتب الحبوب آلية لتمويل القمح من قبل المستهلكين وليس من قبل الخزينة إذ تقوم وزارة الاقتصاد والتجارة- وهي المسؤولة عن هذه المؤسسة- ببيع الانتاج الوطني إلى المطاحن الخاصة بأسعار تفوق الأسعار العالمية لتغطية الكلفة الفعلية التي يتحملها المزارعون وتضيف المطاحن فروقات الأسعار على أكلافها التشغيلية مما يرفع اسعار الطحين وبالتالي سعر الرغيف للمستهلكين.  واللافت للنظر أن القمح الوطني لا يدخل في صناعة الرغيف اللبناني بل يتم تحويله لصناعة بعض النشويات ومنتجاتها، مثل البرغل والمعكرونة، أو يصدر إلى الخــارج.

أمّا بالنسبة الى الشمندر السكري، تقوم الوزارة بشراء كميات السكر المنتجة وذلك بحسب نسبة التحلية الناتجة عن الشمندر المنتج يضاف إليها أكلاف الانتاج في المعمل الوحيد الموجود في منطقة المصنع وتباع إلى تجار الجملة في السوق اللبنانـي.  وقد تم في السنوات السابقة إلغاء هذا الدعم المرهق للخزينة لكن الحكومة اللبنانية قررت إعادة العمل به منذ حوالي 3 سنوات، لكن التوقف الذي حصل نتج عنه تراجعاُ كبيراً في الكميات المنتجة. هذا مع العلم أن كلفة تصنيع الشمندر السكري باتت مرتفعة نظرًا لقدم التقنيات والآليات المستعملة في مصنع التكرير والتي يعاب عليها ضعفاً في الانتاجية وارتفاعاً في نسبة استهلاك المحروقات. وتقدر كلفة دعم الشمندر السكري حاليًا بحوالي 12 مليون دولار سنويا تتحملها الخزينة، فيما يقدر دعم القمح بحوالي 25 مليون دولار سنويًا يتحملها المستهلك اللبنانــي.

-ج- المشـروع الأخـضـر :

تمّ إنشاء هذه المؤسسة في أوائل الستينات من القرن الماضي للمساعدة على إنشاء البنى التحتية وتأهيل الأراضي الزراعية في كافة المناطق اللبنانية. وساهم هذا المشروع باستسصلاح عدد كبير من الأراضي وشق الطرقات الزراعية في كافة المناطق اللبنانية، كما ساهم في توزيع عدد كبير من الشتول والبذور لإدخال نوعيات جديدة من المنتوجات الزراعية والمساعدة على تحريش بعض المناطق.  ومع دخول لبنان في أزمته السياسية عام 1975، تراجعت خدمات هذه المؤسسة وباتت هامشية حتى يومنا هذا، إذ فقد المشروع الأخضر تجهيزاته وقدراته الإدارية وبات دوره يقتصر على توزيع  بعض الشتول والبذور خارج أي استراتيجية زراعية واضحة وفاعلــة.

-د- المصرف الزراعي والمصرف الوطني لإنماء الصناعة والسياحة :

إلى جانب تأمين بعض الخدمات للقطاع الزراعي والصناعي وإقرار الحمايات الجمركية وتقليص الاستيراد، أقدمت الدولة اللبنانية على إنشاء مؤسسات مالية ومصرفية بهدف تأمين قروض الاستثمار لآجال متوسط وطويلة الأمد وبفوائد منخفضة، وقد استفاد عدد من المؤسسات الصناعية من هذه القروض؛ غير ان انخفاض أسعار صرف الليرة منذ العام 1984 أسفر عن انقراض رأسمال هذه المؤسسات  وتهميش خدماتها وباتت حاليا في حكم الملغـاة .

-ه-  مؤسسة ضمان الاستثمارات :

حاولت الدولة اللبنانية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي تنشيط الاستثمارات في لبنان عن طريق إعطاء ضمانات لها تقتصر على المخاطر المتعلقة بالأعمال الحربية وتعويض الخسائر المادية التي يمكن أن تنتج عن الأعمال العسكرية، والتزمت الدولة اللبنانية بتغطية هذه المخاطر من أموال الخزينة في حال حصول أية حوادث فعلية. لكن الاكتتابات اقتصرت على القليل من الاستثمارات الخاصة، ورغم ذلك اضطرت الدولة اللبنانية الى دفع تعويضات خسائر كبيرة بسبب العدوان الاسرائيلي على تجهيزات المواصلات الخاصة المتعلقة بالهاتف الخلوي في العام 1996 ، وقد تم تدريجيا إلغاء خدمات هذه المؤسسة رغم الإبقاء عل هيكليتها الإدارية وإن بشكل هامشـي.

-و-  مؤسسة ضمان الودائع:  كــــفالات

بعد أزمة بنك إنترا عام 1966 قامت الدولة  وبمشاركة جمعية المصارف بإنشاء مؤسسة ضمان الودائع والتي تهدف إلى ضمان أموال المودعين في المصارف اللبنانية في حال إفلاس أي منها، وتمّ تمويل هذه المؤسسة عبر أقساط تأمين بنسبة 2 في الألف تدفع مناصفة بين المصارف والخزينة على كامل ودائع كل مصرف وما زالت هذه الأقساط تدفع من قبل المصارف، لكن الدولة اللبنانية أوقفت دفع حصتها نظرًا لصعوباتها المالية مـُتحَـجـِّجـةً أيضا بقرار مصرف لبنان الذي يقوم منذ عدة سنوات بلعب دور الضامن لأي إفلاس مصرفي، وبالتالي تصبح مؤسسة ضمان الودائع غير ضرورية لتعويض خسائر المودعين الصغار.  وبالفعل لم تقم مؤسسة ضمان الودائع بدفع أية تعويضات منذ إنشائها وبالتالي تمكنت من تحقيق تراكمات مالية كبيرة تم تحويل قسم منها إلى مؤسسة كفالات التي أنشئت عام 2000 لضمان القروض المصرفية المتوفرة للاستثمارات في القطاعات الأساسية، أي الزراعة والصناعة والسياحة والأعمال الحرفية والمعلوماتية.  ومؤسسة كفالات مملوكة بنسبة 75%  من مؤسسة ضمان الودائع و 25%  من قبل المصارف الللبنانية وتسمح هذه الشراكة تأمين إدارة مستقلة مبنية على أساس إدارة سليمة يتبعها القطاع الخـاص.

منذ إنشائها، تمكنت مؤسسة كفالات من تأمين حوالي 11،000 قرض فاقت قيمتها الـ 2،5 مليار دولار، كان لقطاع الصناعة فيها حصة الأسد بحوالي 60% من قيمة القروض تبعها القطاع السياحي مع حوالي 32% فيما توزعت القروض الأخرى بين المعلوماتية 5% والزراعة والمشاغل الحرفية. أما بالنسبة الى التوزيع الجغرافي كانت القروض المضمونة من كفالات أكثر تنوعا من إجمالي القروض المصرفية إذ توزعت بشكل متوازن بالنسبة للمحافظات وإن كان هناك طبعاً حصة كبيرة لجبل لبنان وبيروت حيث يتمركز أكثر من 75% من النشاط الاقتصادي اللبناني.

واعتبرت انتاجية مؤسسة كفالات من أفضل انتاجيات المؤسسات الداعمة للنشاطات الاقتصادية اللبنانية وذلك لأسباب متعـددة:

  • – إدارة فاعلة غير خاضعة لشروط التوظيف في القطاع العام
  • – الاستفادة من برنامج دعم القروض الذي وضعته وزارة المال والموكلة إدارته الى مصرف لبنان.
  • – المساندة المؤمنة من قبل المصارف اللبنانية والمنتشرة في كافة المناطق اللبنانية وهي مسؤولة عن القروض المقدمة الى المستثمرين والحاصلة على ضمان مؤسسة كفالات، حيث تبقى القروض تحت إدارة المصارف الخاصة وتقوم مؤسسة كفالات بإعطاء الضمانات للمصارف وليس للمقترضيـن.
  • – المساندة التي تتلقاها مؤسسة كفالات من الجهات الدولية المانحة للبنان مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي والوكالة الأميركية للتنمية USAID التي ساعدت جميعها على تطوير برامج كفالات وتوسيعها لتشمل عدة أوجه من حاجات الاستثمار، مثل رفع سقوف الاستثمار، تحسين شروط القروض، تطويل آجلها أو السماح بتغطية المشاريع الجديدة Start ups إلى جانب رفع نسبة ضمان القروض من 75% إلى 85%.

 

  • تقييم المؤسسات العامة الداعمة للقطاعات الانتاجية:

باستثناء مؤسسة كفالات، يمكن وضع المؤسسات العامة المولجة مساندة النشاطات الاقتصادية الأساسية في مصاف المؤسسات غير الفاعلة والمكلفة للاقتصاد اللبناني وللخزينة. أما أسباب هذا الفشل فهي متعددة، ومنهـا :

  • – التداخلات السياسية المتجذّرة في هذه المؤسسات والتي يخضع لها التوظيف مثلها مثل كافة المؤسسات العامة حيث تتقدم المحسوبيات على الكفاءات والمهنية في الإدارة والتعيينات.
  • – عدم وضع رؤية واضحة لاستراتيجيات المساندة العامة والقطاعية وعدم متابعة التطورات الاقتصادية لتصحيح مسارات الدعم والمساندة التي وضعت في مرحلة ما ولم تعد تجدي نفعا في أوقات أخرى.
  • – تدني القدرات الادارية لهذه المؤسسات، خاصة بعد اندلاع الحرب اللبنانية في العام 1975 وتراجع الانتاجية في القطاع العام.
  • – حصر نفقات التشغيل بعكس الأكلاف العالية التي تتسبب بها هذه المؤسسات العامة الأخرى المساندة للنشاط الإقتصادي، خاصة معظم هذه المؤسسات لا يلعب أي دور فاعل حالياً، لكن أكلاف التشغيل تبقى سارية فيها، وهذه هي الحال في الكثير من المؤسسات العامة الأخرى المتوقفة كلياً أو جزئياً مثل مصافي النفط، والسكك الحديدية، والنقل العـام… والتي تحتفظ منذ سنوات طويلة بكافة موظفيها ويعطى لهم مكافآت انتاجية ويتم حتى فيها بعض التوظيف.
  • – عدم اتخاذ قرارات سريعة لإعادة النظر بهذه المؤسسات إن لجهة إغلاقها أو تفعيلها مجددا خاصة إذا كانت المعالجات المطلوبة تعتمد على قوانين بدلاً من مراسيم أو قرارات وزارية وإدارية.
  • – ضعف الانتاجية الإدارية في الوزارات المسؤولة عن تنفيذ بعض عمليات الدعم مثل وزارة الاقتصاد او الزراعة أو المالية أو وزارة الصناعـة.
  • – ضعف الإنتاجية والفساد المستشري في الكثير من المؤسسات الداعمة للاقتصاد، والمحسوبيات السياسية وعدم خضوع هذه المؤسسات لأي مساءلة أو مؤشرات نجاح أو انتـاج.

 

(3)  البرامج الداعمة للقطاعات الإنتاجية في لبنان :

إلى جانب المؤسسات التي أنشئت لدعم القطاعات الأساسية في لبنان، قامت الدولة اللبنانية بوضع برامج دعم ومساندة لإطلاق العجلة الاقتصادية أو معالجة بعض الثغرات المعيقة لبعض النشاطات الإقتصادية.  ومن أهم هذه البرامج:

أ- برنامج القروض المدعومة :

تم وضع هذا البرنامج في العام 1998 بعد أن ارتفعت الفوائد المصرفية بشكل كبير على التسليفات تحت تأثير تراكم الدين العام وارتفاع الفوائد على سندات الخزينة.  وأدى هذا الارتفاع في الفوائد إلى تحول كبير من الاستثمارات الاقتصادية المنتجة إلى الأدوات المالية الأكثر ربحية والتي اعتبرت ريـعـــيـة نظرًا للأرباح التي جناها المودعون والمستثمرون لسنوات طويلة وحتى يومنا هذا.  ويعرف هذا الاستبعاد من الاستثمار في النشاطات الاقتصادية إلى الأدوات المالية باسم Crowding out effect  مما يحرم الاستثمار من موارد ضرورية للتطوير وتحسين الانتاج.  ومن جهة ثانية، يؤدي ارتفاع الفوائد إلى تضخيم الأعباء المالية على الشركات المديونة لدى المصارف،  مما يجعلها مترددة في الاستدانة للاستثمار وتطوير الأعمال، لذلك قررت الحكومة  إنشاء برنامج دعم القروض وتسليم إدارته لمصرف لبنان بالاشتراك مع المصارف اللبنانية عن طريق تحميل الخزينة العامة قسماً من الفوائد المدفوعة للمصارف من قبل المستثمرين. وقد تم تخصيص هذا الدعم فقط للقروض الاستثمارية وليس للقروض التشغيلية، وحدّدت أيضاً القطاعات المستفيدة بخمسة قطاعات، وهي  الزراعة والصناعة والسياحة والمعلوماتيــة والأعمال الحرفية.

هذا ولم تقتصر التسهيلات المتوافرة على تحمل الخزينة قسماً من الفوائد بل استفادت القروض أيضا من تطويل آجال الاستحقاقات إلى 7 سنوات مع إعطاء سنة أو سنتين سماح بحسب قطاع الاستثمار.  وقد تزامن إطلاق هذا البرنامج مع إنشاء مؤسسة كفالات التي سهّلت الاقتراض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر تأمين الكفالات للمستثمرين الذين لا يتمتعون بضمانات مالية أو عينية والذين لا يستطيعون الحصول على قروض الاستثمار بسبب عدم توافر هذه الضمانات.

منذ إنشائه، وصل العدد التراكمي لللقروض المدعومة إلى حوالي 16،000 قرض بقيمة 12 مليار دولار تمركزت بمعظمها في قطاعي الصناعة (60%) والسياحة     ( 32%) وفي مناطق بيروت وجبل لبنـان. وطال تمركز القروض عدد المستفيديـن إذ حصـل 5% من المستقرضين على حوالي 40% من قيمة القروض المتوافرة في حين حصل 60% من المقترضين على 20% من قيمة القروض.

وفقًا للآليات الموضوعة عند إطلاق هذا البرنامج، حددت الفائدة المدعومة بنسبة 7% للقروض التي هي أقل من 5 مليارات ليرة لبنانية وبـ 5% للقروض ما بين 5 مليارات و 15 مليار ليرة وهي الحد الأقصى للقرض الواحد.  وإذا تم احتساب الفوائد المتراكمة تكون كلفة القرض الواحد بمعدل 27.5% على السنوات السبع للاقتراض، أي أن لكل قرض بمليون دولار كانت الخزينة تتحمل عليه 270 ألف دولار حتى تسديده.  واعتبرت هذه الكلفة مرتفعة خاصة بعد أن لامس مجموع القروض المعطاة المليار دولار للعام 2010 وحده. وقد أعيد النظر بهذه الفوائد عام 2011 وخفِضت إلى 4.5% دون اي تفريق في حجمها.

لقد سمح هذا البرنامج بتشجيع الاستثمارات في السنوات الـ 15 الأخيرة وساعد على تجديد آلات ومعدات الانتاج في الكثير من الصناعات اللبنانية وعلى تثبيت انطلاق عدد كبير من المؤسسات السسياحية.

هناك طبعًا تمركز لحجم الاستثمارات في مناطق الانتاج الأساسية في بيروت وجبل لبنان، لكن المناطق البعيدة استفادت هي أيضاً من هذا البرنامج إذ أن الكثير من الصناعات الثقيلة متواجدة خارج المراكز الاقتصادية الأساسية بسبب وجود المساحات العقارية الضرورية التي تحتاج إليها الصناعات الكبيـرة.

يضاف إلى ذلك القروض الصغيرة والمتوسطة والتي تستفيد من ضمانات مؤسسة كفالات توزعت بشكل متوازن على كافة المناطق اللبنانية.

على مدى السنوات الماضية، طالبت القطاعات التي لا يشملها هذا البرنامج ، الاستفادة من دعم الفوائد لكن مطالبها لم تستجب رغم الوعود المقطوعة لها في السنوات الأخيرة، وذلك بسبب عدم إقرار الموازنات العامة منذ العام 2005 من جهة ونظرًا لمخاطر الانزلاقات المالية التي يمكن أن تتعرض لها المالية العامة في حال توسيع أحجام القروض المدعومة من جهة ثانيـة.

-ب – برامج القروض المدعومة من مصرف لبنان :

لم يكتـفِ مصرف لبنان بإدارة القروض المدعومة من قبل الخزينة اللبنانية بل طوّر  أيضًا برامج لدعم القروض الإستثمارية في عدد من القطاعات التي لا تستفيد من القروض المدعومة المخصصة من قبل وزارة المال. وتنوعت هذه البرامج بحسب الأهداف المحددة من قبل السلطات المالية، ومنها القروض المدعومة للإسكان أو لمساندة قطاع البناء، او التسهيلات المصرفية المعطاة لتشجيع الاستثمارات البيئية أو المقتصدة للطاقة، أو للتشجيع على الاستثمار في القطاعات التقنية والمبدعة، أو لتوسيع رقعة القطاعات التي لا تستفيد من برنامج القروض المدعومة. واعتبرت هذه المساندة قسما متممًا للقروض المدعومـة التي توفرها وزارة المال.

وفي هذا الإطار، سمح برنامج البنك المركزي للمصارف اللبنانية الاستفادة من توظيف 60% من احتياطاتها الإلزامية والمودعة في مصرف لبنان بدون فائدة، من الاكتتاب بسندات الخزينة شرط أن ترد هذه الفائدة المحصّلة إلى الدائنين لديها؛ ويوفر هذا البرنامج دعمًا بحوالي 4% من الفوائد المدفوعة من قبل المستثمرين للمصارف اللبنانيـة.

والذين يستثمرون في القطاعات التي لا يشملها البرنامج الحكومي لدعم القروض، فقط حدد السقف الأقصى للقرض الواحد بـ 60 مليار ليرة لبنانية أي بحوالي 40 مليون دولار، في حين لا يتعدّى سقف برنامج القروض المدعومة من الدولة اللبنانية سقف الـ 10 ملايين دولار.  لذلك سُمح لمشاريع الاستثمار الصناعية والسياحية بالاستفادة من قروض مصرف لبنان المدعومة للاستثمارات التي تفوق الـ 10 ملايين دولار.

لقي برنامج مصرف لبنان نجاحًا كبيرًا من قبل المصارف اللبنانية والمقترضين المستثمرين لكنه وصل سريعًا إلى حدوده القصوى نظرًا لارتباطه بالاحتياط الإلزامي الذي بدأت تفقده المصارف اللبنانية التي استعملت معظم طاقاتها المتوافــرة.

إلى جانب استعمال الاحتياطي الإلزامي لدى المصارف التجارية، لجأ مصرف لبنان إلى إقراض المصارف  بفوائد متدنية لاستكمال البناء عن طريق تشجيع طلبات السكن وتوفير القروض لشراء الشقق والمساكن. في المرحلة الأولى، لم يحدد مصرف لبنان سقوفا للقروض، لكنه أدخلها تدريجيًا، وهي محددة اليوم بـ 800 مليون ليرة لبنانية للقرض الواحد. أما بالنسبة للقطاعات الأخرى، خصص قسمًا من القروض للمشاريع الخضراء المحافِظة على البيئة أو للاستثمارات المقتصدة للطاقـة.

أدخل مصرف لبنان عام 2014 نوعًا جديدًا من الدعم الاقتصادي عن طريق تخصيص قروض للمصارف بفوائد متدنية لتستثمر مباشرة في رؤوس اموال الصناعات المبدعة وفي التقنيات الحديثة، وليس فقط عن طريق إقراض المؤسسات. ورغم الحماسة التي أدخلها التعميم رقم 331، واجه هذا البرنامج صعوبات في التطبيق نظرًا لقلة الفرص المتاحة ولضعف قدرة المصارف على المساهمة في إدارة هذه الاستثمارات. لذلك عمد القسم الأكبر منها الى إنشاء صناديق استثمار أو المساهمة في بعضها الآخر، على ان تتولى هذه الصناديق إدارة المؤسسات التي ستساهم فيها إذ أن هذه الإدارة  تختلف عن العمل المصرفي التقليدي الذي تجيده المصارف اللبنانيـة، وليس لها بالضرورة خبرة في إدارة المؤسسات.

من المُبكر تقييم هذا البرنامج الأخير خاصة في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية الحالية الرادعة أصلاً للاستثمار حتى إن تأمن التمويــل.

إلى جانب تأمين القروض للمؤسسات وتشجيع المصارف على الاستثمار في بعض النشاطات المبدعة، قام مصرف لبنان وبالتعاون مع جمعية المصارف بإظهار ليونة في إدارة بعض القروض التجارية والتي يواجه المستفيدون منها صعوبات في التسديد بسبب الأحوال الاقتصادية الحالية، مما يسمح بإعادة جدولتها أو تأمين مؤونات استثنائية لها لتفادي تعثر تلك المؤسسات أو إشهار إفلاسها. وتتم هذه العمليات بشكل إفرادي وبحسب الحالة الخاصة لكل مؤسسة خصوصاً في القطاع العقاري حيث تتوافر الضمانات العينية، لكنه من الصعب تسييلها نتيجة للجمود الكبير الذي يسجله هذا القطاع حاليـًا.

 

-ج- برنامج دعم الصادرات الزراعية :

وضع لبنان منذ حوالي 15 سنة برنامجاً لدعم صادراته الزراعية للتعويض عن الأكلاف الإضافية التي يتكبدها المُصـدِّرون عند عبور الحدود البرية في عمليات التصدير إلى الدول العربية التي تستقطب اكثر من 90% من هذه الصادرات.  وهذه الأعباء ناتجة عن قرارات إدارية أو خطوات تعسفية يفرضها واقع الاستيراد في هذه الدول، من تحديد أوقات سير متشددة للشاحنات، ومدة انتظارها على الحدود، إلى منع تعبئة صهاريجها بالوقود المدعوم في هذه الدول أو إخضاعها لرسوم إدارية غير مبررة مرورًا بعمليات مراقبة صحية وبشروط متشددة غير واردة في نصوص وأنظمة التبادل التجاري الدولي، يضاف اليها معوقات ناتجة عن الرشوات والفساد في الكثير من أجهزة الجمارك والمراقبة في معظم الدول المجـاورة.

أُسندت إدارة برنامج دعم الصادرات الزراعية إلى مؤسسة تشجيع الاستثمارات في لبنان(IDAL) مع مشاركة المؤسسات الدولية للمراقبة مثلVeritas  وTUV.  ووضعت آلية مراقبة فاعلة لتفادي التلاعب والتسرب المالي. واعتبرت هذه التجربة من أنجح البرامج المساندة للقطاع الزراعي، إذ سمحت بتسهيل انسياب السلع الزراعية إلى الخارج على أساس تحسين النوعية والالتزام بالمواصفات الفنية والتقنية الضرورية للاستفادة من الرديات. وانعكست التحسينات على الأسواق الداخلية التي فرضت على التجار الزراعيين الالتزام بمواصفات الانتاج والتوضيب المعتمدة للتصديـر.

وقد سجلت بعض الملاحظات السلبية على هذا البرنامج، منها كلفة مرتفعة على الخزينة والتأخر في دفع الرديات من قبل وزارة المال، وقد انعكس سلبـًا على المزارعين إذ ربط التجار شراء المحاصيل وتحديد أسعارها ومهل دفعها بالتحصيل الفعلي للرديات مما أربك المزارعين وحملهم على القبول بهذه الشروط نظرًا لحاجاتهم النقديـة.

إلى جانب ذلك، عاب الكثيرون على هذا البرنامج عدم إعادة تقييمه دوريًا وتصحيحه ليتلاءم مع تطورات السوق والانتاج، خاصة لجهة ربط الرديات بالانتاجية الفعلية للصادرات إذ شكلت الرديات في بعض الأحيان ( صادرات البطيخ والبطاطا مثـلاً) أكثر من نصف القيمة الفعلية المصدّرة في حال أن بعضها الآخر كان بحاجة لرديات أعلى تسمح له بالمنافسة ودخول أسواق جديدة. ولم ترتبط الرديات بتحسينات في النوعيات المنتجة أو ببرامج تدريب وطرق مراقبة متطورة تسمح بتحسين نوعية الانتاج وتساعد على الدخول إلى أسواق جديـدة.

III  من الدعم المبرمج إلى إدارة الأزمـة :

مع دخول الأزمة السياسية السورية في سنتها الخامسة والارتدادات السلبية للربيع العربي في الكثير من الدول العربية، يواجه الاقتصاد الوطني والمؤسسات اللبنانية صعوبات كبيرة في المحافظة على مستويات النمو السابقة وعلى تأمين الوصول الى الأسواق الخارجية التقليدية وخاصة الى الدول العربية . في المرحلة الأولى من الأزمة السورية، واجهت المؤسسات اللبنانية المصدرة عبر الحدود البرية ارتفاعًا كبيرًا في اكلاف التصدير، لكنها استطاعت التأقلم مع هذا الواقع الجديد خاصة وان قسماً كبيراً من هذه الطرقات بقيت مفتوحة للتصدير. ومع اشتداد الأزمة أقفلت كافة المعابر البرية تدريجيًا وأصبحت منذ عدة أشهر مقفلة كليًا ولا يمكن اليوم التصدير من لبنان إلاّ بحرًا أو جـوًّا مما يفرض أكلافـًا باهظة لا تستطيع أن تتحملها الشركات اللبنانية المصدّرة . إلى جانب ذلك، يتردد المستوردون من لبنان ولا سيما في الدول العربية من الاستيراد من لبنان نظرًا للمخاطر التي تواجهها الشركات اللبنانية في تأمين الواردات بشكل منتظم مما سيعرِّضها لخسائر في حال لم يستطع المُصدِّر اللبناني توفير السلع لها في شكل أكيد ومنتظم خاصة وأن معظم دول الخليج لا تشجِّع حاليًا على الاستيراد من لبنان لدواعٍ أمنية وسياسية وتحظِّر رعاياها من السفر إلى لبنان. وقد نتج عن هذا الحظر تراجعاً كبيراً في عدد السياح الوافدين إلى لبنان مما أفقد الكثير من المؤسسات اللبنانية قسماً أساسياً من زبائنها التقليديين والذين يتمتعون بقدرات شرائية عالية. وتظهر المؤشرات المتوافرة أن حجم الأرقام في القطاعات التجارية الفخمة تراجعت بنسب عالية؛ ويقدر هذا التراجع ما بين 15% الى 30% في السنوات الأربع الأخيرة. فالأزمة الحالية لا تصيب فقط القطاعات المصدِّرة، بل تطال أيضا قطاعات التجارة والسياحة أيضا، وهي من أهم النشاطات اللبنانيـة.

وللتخفيف من آثـار هذه المخاطر الجديدة حاولت الحكومة اللبنانية تأمين بعض البدائل للنقل الخارجي عن طريق تأمين بواخر نقل بحرية متخصصة تسمح بتجنب الحدود البرية السورية عبر الموانئ التركية والمصرية والسعودية على أن تتحمل الخزينة اللبنانية قسمًا كبيرًا من الأكلاف الإضافيـة.  لكن هذه الحلول واجهت معوقات تقنية، منها عدم وجود أحجام كافية للتصدير في شكل دوري ومنتظم، إضافة إلى تعرّض السلع المصدَّرة للتلف مع عمليات التحميل والتنزيل في المرافئ وما يرافقها من أعمال كشف وتدقيق إلى جانب تطويل مـدد التسليم.  وبسبب هذه الصعوبات، لم تتمكن الدولة اللبنانية من تأمين خدمات منتظمة للمصدرين، خاصة وأن القطاع العام اللبناني يفتقد إلى جهاز داخلي يمكنه أن يوفر إدارة جيدة لمثل هكذا ملف. وفي ظل الجمود السياسي الإداري الداخلي، من الصعب اللجوء إلى عقود من الباطن مع القطاع الخاص، والغير متحمس أصلاً للمشاركة بتلك المشاريع غير الواضحة الأهداف والمكلِّفة، إلى جانب صعوبات تأمين المقبوضات من الخزينة اللبنانيـة.

كما تحاول الحكومة اللبنانية تأجيل مهل بعض التصاريح والضرائب لمساعدة الشركات على تخطّي صعوباتها المالية والنقدية، لكن الهيئات الاقتصادية ترى أن هذه الخطوات خجولة ولا تساعد على مواجهة الأزمة خاصة في ظل غياب رؤية واضحة حول تلك الخطوات المرتبطة بقرار أحادي من قبل وزير المالية، وأقل ما يقال عن هذه الإجراءات بأنها مجتزأة في الكثير من الأحيان، مع العلم أن الإدارة الضريبية قد كـثّـفت  من ملاحقاتها الضريبية على الشركات، وخاصة الممأسسة منها، وتكليفها بشكل عشوائي واستنسابي، وعلى أساس تفسيرها المتشدد للقوانين والنصوص الضريبية. وتعتبر الهيئات والقطاعات الاقتصادية ان هذه الإجراءات معيقة لبيئة الأعمال في ظل أزمة صعبة تعيشها كافة النشاطات والشركات المنتجة منذ أربع سنوات مع انسداد الحلول في الأفق القريب والمتوسـط.

لا تعتبر الهيئات الاقتصادية أن المرونة في تطبيق القرارات الضريبية تساعد على التهرب الضريبي، بل هي ضرورة لتشجيع النمو خاصة في ظل المنافسات الخارجية على خلق أجواء اقتصادية مُحـفــّـِـزة للنمو. وفي تقريره السنوي يعتبر البنك الدولي أن لبنان من أضعف الدول في تأمين بيئة اقتصادية حاضنة للاستثمار، وهو لا يقوم بتحديث قوانينه وآلياته الإدارية في كافة الأوجه المرتبطة ببيئة الأعمال.

-IV  تطوير برامج المساندة المستقبلية للقطاعات الاقتصادية :

على الرغم من السلبيات المتعددة التي رافقت المؤسسات المتخصصة والبرامج المساندة للقطاعات الانتاجية، لا بـدَّ للقطاع العام من الاستمرار بتطويرها لدعم وتشجيع الانتاج الوطني، وذلك في إطار خطة واضحة ومن خلال آليات فاعلـة تساعد على تأمين انتاجية عالية، وتخفف قدر المستطاع الهدر والتكلفة على الخزينـة.

 

ويتلخص إطار هذه المساندة  بالأسس التالية :

  • اعتماد خطة شاملة للمساندات الحكومية، وليس اتخاذ خطوات جزئية عشوائية متسرعة تقر تحت وطأة الأزمات والضغوط القطاعية والروزنامات السياسيـة.
  • ربط المساندات بعضها بعضاً لتحقيق أفضل النتائج. فالاستفادة مثلا من القروض المدعومة أو الرديات يمكن أن تكون مشروطة بخضوع المستفيدين لبرامج تدريب لمواردهم البشرية أو تعزيز مؤهلاتهم الإدارية أو تطوير نوعية الانتاج ومواصفاتـه.
  • عدم التفريق بين القطاعات والنشاطات الاقتصادية وعدم اعتبار الزراعة أو الصناعة التحويلية مثلاً، قطاعات أولية مقابل قطاع الخدمات التي تشكل أكثر من 80% من الانتاج الوطني، خاصة وأن الصناعات والزراعات التقليدية اللبنانية ليس باستطاعتها بعد اليوم المنافسة إقليمياً ودولياً، والتشبث بها مكلف وغير مجدي. بل من المفترض تشبيع السياسات الموضوعة درسًا ووضع برنامج زمني لها مع مفاصل محددة ومؤشرات نجاح واضحـة.
  •  تقييم دوري للبرامج وتحديد نتائجها الفعلية ومقارنتها بالأهداف المحددة عند وضع البرامج. ويشمل هذا التقييم الأكلاف التي تتحملها الخزينة أو المواطن أو أي مؤسسات أخرى، والنتائج المالية والاقتصادية والاجتماعية إن لجهة خلق فرص العمل أو تثبيت المقيمين في الأرياف وفي مناطقهـم.
  • إدخال التصحيحات الضرورية والتي سيوفرها التقييم بشكل دوري لتجنب أي انزلاقات مالية تؤثر سلباً على الموارد المالية العامة أو تزيد الأعباء الاستهلاكية على المواطنين. ولا تقتصر التصحيحات على المؤشرات المالية، بل تشمل التصحيحات الإدارية للمؤسسات والبرامج، كما أنها تأخذ بالاعتبار التأثيرات المرتبطة باتفاقات تحرير التجارة الاقليمية والدولية التي سيحاول لبنان تطويرها.
  • عدم الاكتفاء ببرامج الدعم المالي للمنتجين اللبنانيين، بل توسيعها لتشمل التدريب وبناء القدرات الانتاجية واستهداف فئات خاصة من الموارد البشرية، خاصة النساء والعاطلين عن العمل والمتخرجين الجامعيين الجدد والمقيمين في الأرياف والمناطق البعيـدة.
  • تطوير شبكات الإرشاد والمساندة الإدارية وتحفيز المستشارين وأصحاب الشركات الكبيرة على مساندة المشاريع والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتوفير الخبرات والنصائح لها لتمكينها من تحسين الانتاج والوصول إلى التمويل وتوسيع الأسواق وخاصة لجهة التصدير وإعطاء تحفيزات ضريبية ومالية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي ترعى روّاد المشاريع الجديدة في إطار إرشاد أصحابها وتوفير الخبرات والنصائح لإنجاح أعمالهـم.
  • استحداث مبادرات لإعادة هيكلة المؤسسات المتعثرة وإعطاء تحفيزات للمستثمرين الجدد للمساهمة في إعادة إطلاق هذه المؤسسات والسماح باستمرارها وحماية فرص العمل التي توفرهـا.
  • استقطاب شركات وصناديق الاستثمار الداخلية والخارجية عبر تحفيزات متعددة ومنها إعطاءها ضمانات جزئية لاستثماراتها كتلك التي تتمتع بها المصارف في إطار مؤسسة كفالات والسماح لها بالاستفادة من القروض المدعومـة.
  • تفعيل المؤسسة اللبنانية لتعزيز الصادرات (LEBEX) عبر برامج محدَّدة واضحة مثل ضمان عمليات الترويج بحيث يلجأ المصدر المشارك بعمليات الترويج أو المساهم في المعارض الخارجية بتأمين قسم من نفقاته في حال عدم قدرته على تحقيق مبيعات في الأسواق التي يستهدفهـا.
  • إطلاق مراكز ريادة الأعمال في الجامعات الخاصة وفي كافة كليات الجامعة اللبنانية بهدف تطوير قدرات ريادة الأعمال للطلاب وحثهم على إطلاق المشاريع المبنية على قدراتهم الإبداعيـة.
  • دعم تطوير المشاريع التي تديرها النساء من خلال حوافز وسياسات خاصة وتدريب متخصص وتشجيع إنشاء الجمعيات والمبادرات الهادفة لتمكين قدراتها في ريادة الأعمـال.
  • الاستفادة من البرامج الدولية والإقليمية المتوفرة لإطلاق معظم هذه المبادرات إذ أن لبنان موضوع منذ زمن طويل على لائحة المستفيدين، لكنه أهدر الكثير من الفرص لإنجاح مشاريعه المتعلقة بمساندة المؤسسات.
  • لا يمكن إنجاح هذه البرامج إلا بمشاركة فاعلة من المؤسسات والجمعيات المهنية للقطاع الخاص التي يمكنها تحديد الحاجات والمشاريع الناجحة لتقوية المؤسسات ومساعدتها على تطوير خطط وسياسات واضحة تساعد الشركات على التأقلم مع المتغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمــي.

المصدر
كتاب نهوض لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى