أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

جبهة الجنوب تخفِّض فعالية شكاوى لبنان لمجلس الأمن (النهار ١١ تشرين الثاني)

“هَطَلَت” شكاوى وزارة الخارجية اللبنانية المندّدة في الاندلاع الناريّ على الحدود اللبنانية الجنوبية كزخّ أمطار يُراد منها اتّخاذ أسلوب إطفائيّ في موازاة غليان المناوشات خلال الأسابيع الماضية. لكن، ثمّة أسبابٌ تحول من دون “صقل الرهان” على جدوى فعليّة للشكاية الاحتجاجية على #إسرائيل بحسب متضلعين قانونيين، طالما أنّ الجانب اللبناني منخرطٌ أيضاً في النزاعات القائمة من خلال فرق مسلّحة خارج نطاق الشرعية ويخرق بدوره مندرجات القرار 1701. والحال هذه، يقلّل صوت المعارك من أصداء أيّ شكوى… وكانت آخرها قبل أيام مع إعلان الحكومة اللبنانيّة عن تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ضدّ إسرائيل، بعد قصف طاول سيارة مدنية جنوب لبنان ما أدّى إلى مقتل ثلاث فتيات وجدّتهن. وسبقها إعلان وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال عبدالله بوحبيب في 31 تشرين الأول الماضي طلبه تقديم شكوى إلى مجلس الأمن من خلال بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة، في وقت سعت الخارجية إلى إدانة استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض وحرق الأحراج في اعتداءاتها ضدّ الأراضي اللبنانيّة. وكذلك، كانت أوعزت وزارة الخارجية إلى البعثة الدائمة لدى الأمم المتّحدة في 14 تشرين الأول تقديم شكوى ضدّ إسرائيل إلى مجلس الأمن، بعد استهداف طاقم من الصحافيين استُشهد ضحيته الصحافي اللبناني عصام عبدالله إضافة إلى إصابة صحافيين بجروح.

وبدت الأشهر الماضية “كثيفة الاحتجاج” اللبناني واحتكامه إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، مع إيعاز وزارة الخارجية اللبنانية في تموز المنصرم بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن، وكذلك إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حيال ما سمّته “احتلال الجانب الإسرائيلي الجزء اللبناني من بلدة الغجر الحدودية بُعَيد إنشائه سياجاً شائكاً حول المنطقة، ما يشكّل خرقاً خطيراً”. وفي سياق آخر، قدّمت وزارة الخارجية شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي في نيسان الماضي أيضاً إثر القصف الإسرائيلي على مناطق جنوب لبنان، مع اعتباره يشكّل انتهاكاً للسيادة وخرقاً للقرار 1701 ويهدّد الاستقرار. وتجدر الإشارة إلى أنّ تلك المرحلة شهدت أيضاً رصد إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه مستوطنات إسرائيلية شمالية. في الغضون، تتعدّد الآراء القانونية والدستورية اللبنانية لناحية فحوى تسطير الخارجية للشكاوى إلى مجلس الأمن، إلّا أنّها خطوة يؤيّدها خبراء عديدون أصحاب حضور طويل في العمل التشريعي على تنوّع مضمون الشكاية، وذلك للتأكيد على وجود مطالب لبنانية، وفي اعتبار الاحتكام إلى مجلس الأمن مسألة يُبنى عليها مستقبلاً… لكنّ، علامات الاستفهام التي يطرحونها تتمحور حول خروقات القرار 1701 من الجانب اللبناني أيضاً.

علمياً، تُعتبر الشكاوى المقدّمة “رمزية الطابع وذات إطار معنوي سياسي من ناحية العرف والعادة الديبلوماسية المنتهجة في وزارة الخارجية اللبنانية والمستمرّة في النحو نفسه كواجب ديبلوماسي وسياسي تجاه الرأي العام الداخلي، مع غياب إمكان التوصّل إلى نتائج فعلية. لكن، ليس في استطاعة لبنان القيام في سبل إضافية أكثر ممّا يفعله”، انطلاقاً من قراءة وزير العدل السابق البروفسور إبراهيم نجّار، الذي يعبّر لـ”النهار” عن ملاحظات إزاء القيمة الفعلية لخطوات مماثلة، كالآتي: أوّلها، “الشكاوى اللبنانية إلى مجلس الأمن التي تحدّ منها قواعد التصويت وحقّ النقض الفيتو إذا استُخدم مع غياب ترجيح أن تؤدّي شكاوى الخارجية اللبنانية إلى نتيجة، علماً أنّ السند القانوني متمثلٌ في مخالفة القرار 1701، لكنّ علامات الاستفهام تتمحور حول أيّ سلطة عقابية ستتَّخذ إجراءات ضدّ إسرائيل؟”. وثانيها، “الخروقات القائمة من الجانب اللبناني للقرار 1701 أيضاً، وكذلك لحيثيّاته المؤكّدة على القرار 1559 الذي لا يطبّق في لبنان. وإذ تشارك فرقٌ قتالية في النزاع الحربيّ وإطلاق صواريخ من لبنان في اتّجاه إسرائيل، فإنّ هذا الانخراط في المناوشات جنوباً يقلّص الحجّة اللبنانية خصوصاً مع الحديث عن إقامة “حزب الله” للأنفاق في القرى الجنوبية، ما يحوّلها أشبه بقطاع غزّة ويؤدّي إلى خرق إضافيّ للقرار 1701 في غياب تحقّق الدولة اللبنانية من هكذا تفاصيل”.

ولا يغيب عن الأسباب الحائلة من دون وجود “حافز” يقوّي شكاوى لبنان، صدور آلاف القرارات المتعلّقة بمسائل لبنانية على مستوى مجلس الأمن الدولي، لكنها لا تطبّق فعلياً في لبنان بغياب قدرة القوى الشرعية اللبنانية والقوات الدولية على التحرّك تلقائياً وبشكلٍ مريح جنوب لبنان نتيجة سيطرة “حزب الله”، ما يجعل الأسلوب السائد لبنانياً يعتمد سياق شكاوى “رفع العتب”. لكن، هناك “جانب ملآن” من الناحية الدستورية للشكاوى وفق خبراء دستوريين، لأنّه بمثابة معطى منطلق من اعتبار لبنان دولة قائمة بذاتها ومعترف بحضورها دوليّاً، وقد يكون التعويل عليها في مراحل لاحقة من المفاوضات بهدف التوصّل إلى تسويات خصوصاً لناحية النزاعات على الأراضي، في وقت ينصّ الدستور اللبناني على أنّه لا يحقّ للبنان التنازل عن أيّ شبر من أرضه برّاً أو بحراً. وإذا كانت الدولة اللبنانية استطاعت التوصّل إلى اتّفاق ترسيميّ للحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل الذي يُعتَبر أكثر أنواع الاتّفاقات صعوبة، فإنّ ليست هناك من موانع تحدّ من ترسيم الحدود البرية خلال مرحلة مقبلة، في اعتبارها مسألة أكثر سهولة وتسبق عموماً الترسيم البحريّ. ويؤيّد خبراء دستوريّون انتهاج خطوة الاحتكام إلى مجلس الأمن لكن من دون انتهاج أسلوب العنف القائم جنوباً الذي يؤدّي إلى خسائر و”لا ينتج عنه سوى العنف”، ولا يمكن الرهان عليه للتوصّل إلى نتائج، خلافاً للأساليب السياسية الطامحة إلى تسويات عادلة… مع تعريج بصورة أوسع على “حلّ الدولتين” الذي يشكّل أساساً للسلام في المنطقة.

بواسطة
مجد بو مجاهد
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى