“حزب الله” يعتبر أنه كسب رئاسياً بالنقاط لكنه لم يحصل على معطيات تدعم خياره (النهار ١٣ شباط)

ثلاث محطات تتصل بالاستحقاق الرئاسي الداهم والملحّ سُجلت خلال الايام الماضية في الداخل والخارج وطغت على ما عداها من تطورات، لكنها آلت وفق مصادر في قوى 8 آذار الى لا شيء جدي يمكن البناء عليه، ومع ذلك فهي شكلت مرتكزات يمكن للفريقين اللذين دخلا منذ اشهر في سباق محموم مع الوقت والمعطيات بهدف القبض على الرئاسة الاولى، اعتمادها مقياسا ومعيارا توطئة للمرحلة الصراعية التالية.
أبرز المحطات الداخلية تجسدت في الاتجاه الى دعوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بعدما حظي بتفويض مطلق من البطاركة المسيحيين الآخرين (الروم الارثوذكس والروم الكاثوليك…) والنواب المسيحيين الـ 64 للاجتماع معه في صرح بكركي لفتح الابواب أمام الاتفاق على اسم مرشح حصري للرئاسة الاولى ليصير بعده امرا واقعا يصعب على الآخرين بكل تلاوينهم رفضه والتعامل معه بسلبية، وهي محاولة ما لبثت وفق معطيات ان ذهبت أدراج الرياح بفعل التناقضات العاصفة بين الكتل المسيحية الوازنة نيابيا، الى عوامل اخرى منها ان الامر يُعدّ سابقة.
ولعل الحراك الاحدث والذي اخذ الكلام عن نتائجه المتوخاة سلفا حيزا كبيرا هو اللقاء الخماسي الذي استضافته باريس قبل اسبوع بدعوة من الادارة الفرنسية المولجة بمتابعة الملف اللبناني، اذ انه وفق الاجماع كان ايضا على المستوى عينه من الخيبة والاخفاق الى درجة العجز عن تعميم البيان الختامي وفق كل الاعراف على رغم ان هناك من يسرب بانه قد جُهز وكُتب لكن التشدد والاعتراض السعودي منعا اصدار البيان. لذا فان ما سرى لاحقا هو ان باريس ستعمد الى ايفاد سفيرتها في بيروت لابلاغ المسؤولين المعنيين شفاهة مضمون اللقاء ونتائجه كرفع عتب وتغطية على اخفاق اللقاء في بلوغ الآمال التي عُقدت عليه.
اما الحراك الثالث الأقدم زمنياً فهو المبادرة التي اطلقها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وبدأها بلقاء مع “#حزب الله” في كليمنصو وبإيفاد مبعوثين الى بكركي ومعراب، وكانت محطتها الاخيرة وربما الابرز في زيارة زعيم المختارة الى عين التينة ليلتقي سيّدها الرئيس نبيه بري. جنبلاط سرّب لاحقا ان مبادرته تركز على امرين اساسيين: ان يتخلى كل فريق من الفريقين عن مرشحه للرئاسة الاولى، اي ميشال معوض وسليمان فرنجية، لينفتح باب الحديث تلقائيا حول اسم ثالث يتلاقى عنده الجميع، وهو يقترح واحدا من اسماء ثلاثة، والمقصود حصراً الاسم الثالث وهو قائد الجيش العماد جوزف عون.
ولم يعد جديدا القول ان الثنائي الشيعي وجد في العرض نوعاً من التحكيم على طريقة “تحكيم صفّين” الشهير حيث المطلوب الاول ان يخلع الثنائي مرشحه في مقابل تسويات وحلول متعددة لكنها لا تتوافق معه اذ انها تقود الى نهاية واحدة هي انتخاب العماد عون، وهو عرضٌ يعرف جنبلاط ان الثنائي لن يسير اليه بدليل ان “حزب الله” لم يكلف نفسه عناء الرد سلبا او ايجابا، وهو ما اثار استياءً مكتوماً في اوساط جنبلاط كون هذا الامر هو قفل لباب الأخذ والرد منذ البداية.
وفي كل الاحوال، فان مصادر على صلة وثقى بالحزب تعتبر ان اخفاق الحراكات الثلاثة المتتالية هي بمثابة كسب للحزب وذلك بناء على اعتبارات، ابرزها ان جوهر الحراكات وإن تباعدت زمنيا فانها تصب في خانة هدف واحد هو قطع الطريق على مرشح الثنائي المعلوم أو تبدّد كل الآمال والرهانات الموجودة لديه بإمكان فوز هذا الخيار في لحظة ما.
لذا فان الحزب يرى انه لو صدر بيان اللقاء الخماسي الذي رتبته الادارة الفرنسية المولجة في عاصمتها وانطوى كما قيل سلفا على تعميم المواصفات التي يفترض ان تتوافر في الرئيس المقبل ولم يسمِّه بالاسم، فان تلك الصفات سوف لن تنطبق على فرنجية بل على آخرين. وكذلك الامر لو نجحت الدعوة الى لقاء النواب المسيحيين تحت راية بكركي فان البوصلة كانت ستتجه حتما الى غير فرنجية، وساعتئذ ينقطع الامل نهائيا، والارجح انه كانت سترسو على قائد الجيش. والنتيجة عينها كانت ستفضي اليها مبادرة جنبلاط في ما لو أخذت مداها.
واذا كان الحزب يعتبر نفسه انه كسب بإخفاق الآخرين فان السؤال الملحّ هو: ماذا ينتظر وحلفاؤه ليخطو الخطوة العملانية التالية في سبيل ضمان وصول مرشحهم الموعود؟
مصادر على صلة بالحزب تقرّ بانه كسب بالنقاط جولة ولكن لا يمكنه ان ينام على حرير ان الفريق الخصم قد خارت قواه وقرر الاذعان والاستسلام، او انه قرر فعليا ان يبدأ رحلة مفاوضة الحزب بعد خفض منسوب اعتراضه على مرشحه. اذ بعد ساعات قليلة من انتهاء اجتماع باريس الخماسي كانت اوساط بيروت السياسية والاعلامية تحفل بأنباء عن لقاء جرى بعيدا من الاضواء بين المعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل والسفير السعودي وليد بخاري. وعلى رغم ان الطرفين لم يصدرا اي موقف يضيء على نتائج هذا اللقاء، الا انه سرت اجواء تشي بان السفير رفض ان يعطي موقفا حازما يمكن للثنائي ان يعتبره نوعا من التغطية لانتخاب فرنجية، إذ إن بخاري ظل يردد الموقف السعودي المعروف اياها وفحواه ان لا مرشح لنا نزكّيه. وبالمجمل عُدّ ذلك رفضاً سعودياً متجدداً لاعطاء الضوء الاخضر لترئيس فرنجية، وهو ما من شأنه ان يقطع الطريق نهائيا على تلويح بري بإمكان الذهاب الى انتخاب رئيس بـ 65 صوتا، وما من شأنه أيضا تقويض كل حساباته في هذا المجال والتي اعتُبرت نوعا من التحدي، لاسيما ان معلومات سابقة اشارت الى ان سيد عين التينة لم يحصل من حليفه جنبلاط على ما يعطيه الطمأنينة اللازمة بالوقوف معه في الخيار الرئاسي اياه…
واذا كان الحزب يعتبر انه استوعب “الهجمة الثلاثية” فان عليه ان يعود الى مربعه الاول المتصف بالسلبية والذي يعتمده اساسا في معركته، وفحواه “ان احدا لن يستطيع فك عقدة من دوننا، وعليه ها نحن منتظرون”.



