أخبار لبنانابرز الاخبار

لماذا اخطأ لبنان في تثبيت سعر صرف الليرة؟

يسرد الخبير الاقتصادي د. دان قزّي تاريخياً كيف بدأت الأزمة “في ثمانينيات القرن الماضي. بدءاً من العام 1985 حتى 1992 تراجعت قيمة الليرة بشكل كبير ووصل الدولار إلى 2825. جاء رياض سلامة إلى منصبه الحالي عام 1992 وعام 1997 (1999) ثبّت سعر الصرف عند 1507.5. يومها كان الأمر ضرورياً لإعادة الثقة بالليرة ولكنّ الخطأ كان في استمراره إلى يومنا هذا”.

الجميع برأي قزّي استفاد من تثبيت سعر الصرف: “لذلك شئنا أم أبينا سيذكر التاريخ رياض سلامة على أنّه الحاكم الذي ثبّت سعر صرف الليرة واليوم لا يوجد سياسي لديه الجرأة لأن يخرج إلى الناس ويقول إنّ الدولار لم يعد 1500 ليرة لبنانية، هم يفضّلون القول إنّ سعر الصرف لا يزال عند الـ1500 رغم أنّه أصبح في السوق الموازية 2300 ليرة (كان ذلك سعر الدولار في وقت إجراء المقابلة). الأمر أصبح بمثابة تحدٍّ سياسي، فمن هو الوزير الذي حلم طيلة عمره بأن يتبوّأ هذا المنصب الذي سيخرج الآن إلى الناس ويعلن أنّ الدولار لم يعد 1500 ليرة؟”

يشرح قزّي أنّ “الخطأ في ثبيت سعر الصرف أنّه من جهة ألغى مؤشراً اقتصادياً رئيسياً يستطيع أن يدلّنا إلى أي خلل يحصل في اقتصادنا، ومن جهة أخرى كلفته مرتفعة من حيث استنزافه احتياطات مصرف لبنان من العملة الأجنبية ومن جهة ثالثة أعطى اللبناني مستوى معيشياً جيّداً ولكنه أعلى من إنتاجية البلد. وهذا الأمر مصحوب بإلغاء شبه تام للقطاعات الإنتاجية من صناعة وزراعة، بحيث قاد إلى فاتورة استيراد مرتفعة استنزفت هي الأخرى احتياطاتنا بالعملات الأجنبية”.

فاتورة استيراد عالية وتدفّقات مالية ذهبت هباءً

يتابع قزّي سرد أسباب الأزمة: “لطالما كان لبنان يستورد أكثر مما يصدّر وبالتالي فإنّنا ننفق جزءاً كبيراً من الدولارات التي نملكها على تمويل الإستيراد. كان لدينا بعض الصناعات قبل الحرب ولكن بعد الحرب انعدمت تقريباً. في السابق كانت تحويلات المغتربين تعوّض النقص خصوصاً الموجودين منهم في الخليج وإفريقيا إضافة إلى التدفقات التي تأتي بها السياحة والإستثمارات المباشرة. واستعملت هذه التدفقّات أيضاً وبشكل أساسي لدعم سعر الصرف وبالتالي منح اللبنانيين مستوى معيشياً مرتفعاً. وكانت هذه السياسة الإجتماعية ترضي اللبنانيين والحكومات المتعاقبة. وبالفعل إذا نظرنا إلى نسبة التأييد لرياض سلامة قبل أربع سنوات مثلاً نجد أنّها كانت 90% أي أعلى من أي شخصية عامة في لبنان.

استمر هذا النظام في السير على ما يرام وبقي مستوى التدفقات يساوي تقريباً مستوى النفقات حتى 2006 وصولاً إلى 2010، حين أصبحت التدفقات إلى لبنان أكبر بكثير مما يخرج منه وأصبح ميزان المدفوعات إيجابياً (فائض). أحد أسباب ذلك هو ارتفاع سعر النفط وبالتالي معاشات اللبنانيين في الخليج ما رفع نسبة التحويلات التي يرسلونها إلى لبنان والسبب الآخر هو الأزمة المالية العالمية التي دفعت اللبنانيين الذين لديهم ودائع في مصارف في الخارج اعتبروا أنها ستنهار، إلى نقلها إلى المصارف اللبنانية التي اعتبروا أنها أكثر أماناً. وفي تلك الفترة تدفّق حوالي 20 مليار دولار إلى لبنان. وأحد الأخطاء التي اتركبت هي أنّه لم يتمّ توظيف تلك الأموال في أفضل المشاريع بل على العكس أنفقت في السوق العقارية بشكل أساسي. في عام 2011، مع تراجع الأموال الوافدة (نتيجة فقدان الثقة بالأداء السياسي وبالأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية) انقلبت الآية وأصبح ميزان المدفوعات سلبياً (سجّل عجزاً) وأصبح حجم الدولار الخارج أكبر من الدولار الداخل إلى لبنان. وعاماً بعد عام تفاقم الوضع وصولاً إلى العام 2016 حين قرر حاكم مصرف لبنان اعتماد ما أصبح يعرف بالهندسات المالية من جهة لتعديل ميزان المدفوعات عبر حماية احتياطه من العملات الأجنبية وتعزيز أصوله الأجنبية ومن جهة أخرى لمساعدة المصارف التي تعثّرت.

ارتفاع الدولار “الوهمي” مقارنة بـ “الحقيقي”

يدرج قزّي الهندسات المالية ضمن قائمة الأخطاء التي أدّت إلى تدهور الوضع النقدي في لبنان اليوم. فبرأيه، الخطأ الأول في الهندسات المالية “أنّها استعملت أموال الشعب اللبناني أو دافعي الضرائب من دون مقابل على عكس ما يحصل عادة في الدول الأخرى مثلما حصل في بريطانيا وأميركا عام 2008 و2009. فكان يجب على الدولة حين تدخّلت لإنقاذ المصارف أن تحصل على أسهم فيها وتغيّر إداراتها وتمنع المكافآت عن المدراء الكبار إلى حين يسترجع الشعب اللبناني الأموال التي دفعها”. أما الخطأ الثاني فهو “الفوائد المرتفعة جداً التي دفعتها الدولة على الدولار والتي وصلت أحياناً عام 2016 إلى 20 و25 و30%. وطبعاً لم يقتصر الأمر على البنوك المتعثرة وأصبحت البنوك الباقية تطلب أن تشملها الهندسات المالية أسوة بغيرها. صحيح أنّ الهندسات المالية رفعت أصول مصرف لبنان بالعملة الصعبة ولكن من جهة كان نزف الدولار أسرع ومن جهة أخرى لم يكن كلّ الدولار الذي لدى مصرف لبنان “حقيقياً” فجزء منه مسؤوليات مالية (Liabilities) للمصارف. وبالتالي مع استمرار نزيف الدولار، أصبح حجم الدولار الحقيقي أقل بكثير من حجم الدولار الوهمي الذي أسمّيه “لولار”.

وبحسب تقديرات قزّي، أنفق مصرف لبنان 70 مليار دولار من إحتياطاته بالعملة الأجنبية وهي أموال ذهبت إلى غير رجعة (على الإستيراد وعلى تمويل الدولة والوقود…) وبقي حوالي 30 مليار دولار هي عملياً حجم الدولار الحقيقي الذي نبحث عنه اليوم ونحتاجه لتمويل الاستيراد من وقود وأدوية وسيارات ومواد غذائية.

وقد لمسنا مؤشرات على تراجع حجم الدولار في البلاد قبل عام ونصف حين بدأت المصارف تطبّق نوعاً من الـ “كابيتل كونترول” أي القيود على السحب أو الضوابط على رأس المال بشكل خفيف. وفي الصيف الماضي بدأ سعر صرف الليرة يتحرّك خارج نطاق الـ1515 ووصلت إلى 1540 ثم إلى 1600 واستمرّ التدهور إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه والذي أختصره بما يلي: تراجع حجم الدولار الحقيقي مقارنة بالطلب عليه.

ينتقد قزّي الإجراءات التي اتخذت مؤخراً مع بدء ظهور مؤشرات على تفاقم الوضع النقدي ومنها الـ”كابيتل كونترول”. ويقول إنه “في الآونة الأخيرة، كان يفترض اتخاذ قرارات حاسمة ولكنّ ذلك لم يحصل. وحصل “الكابيتل كونترول” بطريقة غير مركزية أيّ أن مدراء فروع المصارف أصبحوا أصحاب القرار بدلاً من أن تتخذه الحكومة اللبنانية[1]. فلو كان الكابيتل كونترول مقونناً لكان سارياً على الجميع بشكل متساوٍ ولما كان صاحب “الواسطة” استطاع أن يسحب 100 ألف دولار مثلاً بينما من ليس لديه واسطة يترجّى المصرف ليعطيه 200 دولار. كما أنّه لو تمت قوننة الكابيتل كونترول لما حصلت تحويلات إلى الخارج”.

ويسأل في معرض حديثه عن الخلل في النظام الاقتصادي اللبناني “كيف ببلد البطالة فيه 30%، 60% من الشعب مدخوله أقل من ألف دولار، و1% 80 ألف دولار، ولكن ثمّة أناس يجنون في السنة 200 مليون دولار بدون أن يكون لديهم شركة ولا عملاً في الخليج ولا اخترعوا شيئاً مثل الآيفون ولا أنشأوا منصة مثل فيسبوك؟ وبالتالي فإنّ ثمة طبقة من اللبنانيين راكموا الثروات عبر الربى الفاحش، إضافة إلى أناس ورثوا ثروات وآخرون لديهم امتيازات ووكالات حصرية ومشاريع مستفيدة من الأملاك البحرية بدون وجه حق وغيرها”.

ويشير إلى أنه في ظل الإحتكارات والوكالات الحصرية التي ترفع أسعار المنتجات المستوردة بنسبة 30% والإنفاق المرتفع على العقارات في ظل غياب الشفافية في هذا القطاع (اليوم اللبناني العادي ينفق نصف معاشه على الإسكان لدفع ثمن بيته)، تذهب هذه الأموال إلى جيوب الـ 1%”.

المصدر
المفكرة القانونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى