صندوق النقد في بيروت مستطلعاً تقدّم الإصلاحات: مكانك راوح (النهار ١٢ أيلول)

زيارة جديدة لبعثة صندوق النقد الدولي لبيروت في سياق زيارات المتابعة لتقدّم العمل بالاتفاق الاولي الموقع مع #لبنان، تمهيداً للانتقال الى مرحلة توقيع البرنامج الذي سيحكم المشهد الاقتصادي والمالي في البلاد في السنوات الأربع المقبلة، من تاريخ توقيع البرنامج.
تحمل الزيارة عنوانين، أولهما متابعة مدى التزام لبنان بالإجراءات المسبقة، وهي ثمانية، ما تحقق منها وما لم يتحقق، والخطوات التي تعتزم الحكومة القيام بها لتذليل العقبات من أمام وضعها حيّز التنفيذ. أما العنوان الثاني ولعله الأهم في الزيارة، فيكمن في تحديد الصندوق التزامه دعم لبنان ومساعدته على الولوج الى البرنامج.
ذلك أن تعثر تنفيذ الإجراءات المطلوبة، وتعطل إقرار القوانين، وجه رسالة الى المجتمع الدولي والى الصندوق، حامل ختم الثقة الى هذا المجتمع، بأن لبنان ليس في وارد سلوك طريق الإصلاحات المطلوبة، ما عزز الاعتقاد بأن الصندوق قد يتراجع عن دعمه أو عن الاتفاق الموقع مع لبنان. ولكن الزيارة تأتي لتؤكد خلاف ذلك، على اعتبار أن المؤسسة الدولية لا يمكن أن تكون أبداً الطرف الذي ينسحب لأن مهمتها، كما ورد في نظامها، تكمن في دعم الدول التي تحتاج الى المساعدة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تفهّم الصندوق للوضع اللبناني وعدم تراجعه.
بات واضحاً مسبقاً ما تحمله البعثة الى محادثاتها مع المسؤولين اللبنانيين الذين ستلتقيهم. وللمفارقة، واضح أيضاً ما سيتبلغه أعضاؤها من هؤلاء كأجوبة على استفساراتهم.
بداية، سيؤكد المسؤولون اللبنانيون التزامهم البرنامج مع الصندوق كفرصة مهمة للبنان للخروج من أزمته، وسيعملون على الدعم الذي يقدمه، المعنوي منه لإقناع الدول المانحة بمساعدة لبنان، والمادي الذي يبلغ نحو ٣ مليارات دولار، مشروطة بإنجاز إصلاحات محددة. عند هذه النقطة، سينتقل المسؤولون اللبنانيون الى ما اعتادوا فعله على مر السنين تهرباً من تحمّل المسؤولية، وذلك عبر تقاذفها ورميها في مرمى الآخرين، وعادة ما يكون هذا التقاذف بين الحكومة والمجلس النيابي، قبل أن يكون بين الوزراء المعنيين بالملفات الإصلاحية. العذر الأول والوحيد المتاح أمام هؤلاء يتمثل في غياب العمل المؤسساتي المنتظم بسبب الشغور في موقع رئاسة الجمهورية الذي انعكس شللاً على مستوى السلطة التنفيذية في ظل حكومة تصريف أعمال، وشللاً مماثلاً على مستوى المجلس المتحول إلى هيئة ناخبة، عاجز عن التشريع بسبب تعطيل بعض القوى السياسية نصاب الجلسات.
يرتاح المسؤولون الى وجود حجج وذرائع قوية بين أيديهم تعفيهم من تحمل مسؤولية انهيار البلد. لكن فاتهم أن تلك الذرائع والحجج لم تعد تنطلي على أحد، ولا سيما الصندوق الذي يعرف كيف تُدار الأمور، ما دفعه أكثر من مرة الى تحميل السلطة السياسية مسؤولياتها.
من الإجراءات الثمانية المسبقة لم يتحقق شيئاً، باستثناء بدء العمل التدريجي على تحرير سعر الصرف.
فموازنة ٢٠٢٣ أنجزت في الحكومة ولكنها لم تقر في البرلمان، ولا أفق للقدرة على إنجازها قبل نهاية السنة. أما مشروع موازنة ٢٠٢٤ فيفتقد الحد الأدنى من أي رؤية إصلاحية أو استراتيجية اقتصادية ترسم آفاق المرحلة المقبلة.
بالنسبة الى مشاريع القوانين التي ينتظرها الصندوق، فقد أدرجت في الاتفاق الاولي كالآتي: الكابيتال كونترول، التوازن المالي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، تنفيذ الإصلاحات المالية المقترحة للدين الخارجي لضمان استدامة الدين وخلق مساحة للاستثمار في الإنفاق الاجتماعي وإعادة إعمار البنية التحتية، إعادة هيكلة المؤسسات العامة، خاصة في قطاع الطاقة لتوفير جودة الخدمات من دون استنزاف الموارد العامة، تعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد وغسل الأموال ومكافحة الإرهاب من أجل تعزيز الشفافية والمساءلة، بما في ذلك تحديث الإطار القانوني للمصرف المركزي، إنشاء نظام نقدي وشفاف يتسم بالصدقية والشفافية…
تتسلح الحكومة في محادثاتها مع الصندوق ببعض الإنجازات الهشة غير المكتملة، مثل إقرار موازنة ٢٠٢٣، وبدء درس مشروع موازنة ٢٠٢٤، تعبيد الطريق أمام بدء عمليات التنقيب عن النفط، تشكيل لجنة لدرس التعديلات على قانون النقد والتسليف، التزاماً بتحديث الإطار القانوني للمركزي، الاشتراك على منصة بلومبيرغ لإدراج الليرة وتحديد سعر الصرف وفقها، ولعل هذا أهم ما سيقدمه لبنان الى الصندوق، لأن المنصة شكلت مطلباً من مطالب الصندوق الرامية الى تحقيق الشفافية وتأمين التحرير التدريجي لسعر الصرف، بعد أن يكون التبادل عبرها قد أدّى الى توحيد أسعار الصرف. وهذا حكماً سيترافق مع قرارات حكومية وتعاميم تصدر عن المركزي تلغي بموجبها الأسعار المعتمدة سابقاً.
لن يحمل إذن الصندوق الى لبنان جديداً ولن يحظى بأي أخبار جيدة تنعش الآمال بإمكان سلوك لبنان طريق التعافي قريباً. لكن الرسالة الوحيدة التي سيجدد الصندوق تلاوتها هي كناية عن تذكير بأن لبنان يفقد الفرصة تلو الأخرى، والفرص الباقية باتت ضئيلة جداً بحيث إن خسارتها ستترك البلد وحيداً ومعزولاً ومنهاراً!



